فهرس الكتاب
وقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: «كُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ تَرَكْنَا مَا نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لِجَدَلِهِ» اعتقاد أهل السنة لللالكائي [1]
وعن ابْنِ الطَّبَّاعِ قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَذَا. فَقَالَ:"أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ كَذَا؟ قَالَ مَالِكٌ:" {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] .قَالَ: فَقَالَ مَالِكٌ: «أَوَ كُلَّمَا جَاءَ رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنَ الْآخَرِ رَدَّ مَا أَنْزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -» ؟ [2]
وعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: «هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ» رواه الدارمي في السنن. [3]
فبين رضي الله عنه أن الإسلام يهدمه زلة عالم، وهو العالم صحيح الاعتقاد يزل في مسألة من المسائل، وقوله"وجدال المنافق بالكتاب"فإن المنافق لا يؤمن بالقرآن، وإنما يجادل بالقرآن دفعا للمخالف، وليس طلبا للهداية واتباعا للقرآن، واستدلاله بالقرآن إما بتحريف الآيات عن معانيها، أو باتباع المتشابه، كما هو حال أهل الزيغ الذين قال الله عنهم: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7]
وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي أنْزَلَ القُرآنَ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ مِنْ حِكْمَتِهِ أنْ جَعَلَ مِنْهُ آيَاتِ مُحْكَمَاتٍ مُحَدَّدَةَ المَعْنَى، بَيِّنَةَ المَقَاصِدِ، هِيَ الأصْلُ وَإليهَا المَرْجِعُ (أمُّ الْكِتَابِ) .وَجَعَلَ مِنْهُ آيَاتٍ مُتَشَابِهَاتٍ، يَدِقُّ فَهْمُ مَعْنَاهَا عَلَى كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَتَشْتَبِهُ عَلَى غَيْرِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ.
فَيَأخُذُونَ المُتَشَابِهَ الذِي يَسْتَطِعُونَ تَحْرِيفَهُ لِيَسْتَخْدِمُوهُ فِي الوُصُولِ إلى أغْراضِهِم الفَاسِدَةِ مِنْ إضْلاَلِ النَّاسِ لاحْتِمَالِ لَفْظِهِ لِمَا يَصْرِفُونَهُ إلَيْهِ. امَّا المُحْكَم فَإنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِعُونَ الإفَادَةَ مِنْهُ لأنَّهُ دَامِغٌ لَهُمْ، وَحُجَّةٌ عَلَيهِم.
(1) - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 163) (293) صحيح
(2) - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 163) (294) صحيح
(3) - سنن الدارمي (1/ 295) (220) صحيح