فهرس الكتاب
سَبْتَةَ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ الْمُحِيطَ، وَمِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ إِلَى أَقْصَى بِلَادِ الصِّينِ، وَقُتِلَ كِسْرَى، وَبَادَ مُلْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ. وَفُتِحَتْ مَدَائِنُ الْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانُ، وَالْأَهْوَازُ، وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ التُّرْكِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً جِدًّا، وَخَذَلَ اللَّهُ مَلِكَهُمُ الْأَعْظَمَ خَاقَانَ، وجُبي الْخَرَاجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِلَى حَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ تِلَاوَتِهِ وَدِرَاسَتِهِ وَجَمْعِهِ الْأُمَّةَ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ؛ وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوي لِيَ مِنْهَا"فَهَا نَحْنُ نَتَقَلَّبُ فِيمَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْإِيمَانَ بِهِ، وَبِرَسُولِهِ، وَالْقِيَامَ بِشُكْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيهِ عَنَّا." [1] "
وتأمل كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبشر أصحابه بفتح الشام وفتح بلاد الفرس وفتح اليمن، وأحزاب الكفار قد اجتمعت للقضاء على الإسلام والمسلمين في المدينة، فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَحْفِرَ الْخَنْدَقَ عَرَضَ لَنَا فِيهِ حَجَرٌ لَا يَأْخُذُ فِيهِ الْمِعْوَلُ فَاشْتَكَيْنَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَلْقَى ثَوْبَهُ، وَأَخَذَ الْمِعْوَلَ وَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ، فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الصَّخْرَةِ» قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِحَ الشَّامِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ الْآنَ مِنْ مَكَانِي هَذَا» قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ أُخْرَى وَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ، وَكَسَرَ ثُلُثًا آخَرَ» وَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِحَ فَارِسَ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنَ الْأَبْيَضَ الْآنَ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ» وَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ، فَقَطَعَ الْحَجَرَ» قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِحَ الْيَمَنِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ بَابَ صَنْعَاءَ» [2] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: احْتَفَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْخَنْدَقَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ شُدُّوا الْحِجَارَةَ عَلَى بُطُونِهِمْ مِنَ الْجُوعِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «هَلْ دُلِلْتُمْ عَلَى رَجُلٍ يُطْعِمُنَا أَكَلَةً؟» قَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ، قَالَ: «أَمَا لَا فَتَقَدَّمْ فَدُلَّنَا عَلَيْهِ» فَانْطَلَقُوا إِلَى الرَّجُلِ فَإِذَا فِي الْخَنْدَقِ يُعَالِجُ نَصِيبَهُ مِنْهُ، فَأَرْسَلَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ جئْ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ أَتَانَا، فَجَاءَ الرَّجُلُ يَسْعَى، فَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي وَلَهُ مَعْزَةٌ وَمَعَهَا جَدْيُها، فَوَثَبَ إِلَيْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «الْجَدْيُ مِنْ وَرَاءِنَا» فَذَبَحَ
(1) - تفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 77)
(2) - السنن الكبرى للنسائي (8/ 134) (8807) صحيح