فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 1902

السِّيَاسَةُ وَالشَّرْعُ قَدَّمْنَا السِّيَاسَةَ! وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِذَا تَعَارَضَ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ قَدَّمْنَا الْعَقْلَ! وَقَالَ أَصْحَابُ الذَّوْقِ: إِذَا تَعَارَضَ الذَّوْقُ وَالْكَشْفُ، وَظَاهِرُ الشَّرْعِ قَدَّمْنَا الذَّوْقَ وَالْكَشْفَ." [1] "

وأما المؤمنون بالله تبارك وتعالى، الذين يؤمنون بأن الله تعالى {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه:98] ،وأنه {أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} ،وأنه {خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} ،وأنه تبارك وتعالى {خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} ،وأنه {أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ،وأن أحكامه تبارك وتعالى مشتملة على العلم والحكمة والرحمة والعدل، فلا يعارضون أحكامه بآرائهم وعقولهم القاصرة، أو بشبهة أو شهوة، بل ينقادون لأمر الله ظاهرا وباطنا، ويقولون كما أخبر الله تعالى عنهم: {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285] ،وقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51] .

فإن أحكام الله تعالى كلها حق وعدل، وما خالفها فهو كفر وظلم، وقد قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] ،وقال تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة:138] ،وقال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) } [الإسراء:9،10]

فالقرآن يهدي للتي هي أقوم وأعدل وأصوب في جميع الأقوال والأعمال والسياسات وشؤون الحياة،

"إنه يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية في تناسق واتساق."

ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض، وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعا واستمتاعا بالحياة.

(1) - شرح الطحاوية - ط الأوقاف السعودية (ص:172)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت