فهرس الكتاب
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» [1]
وعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا"،قَالَ:"أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ
(1) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 355) (1987) صحيح لغيره
(اتَّقِ اللَّهَ) أَيْ: بِالْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ سَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ، فَإِنَّ التَّقْوَى أَسَاسُ الدِّينِ، وَبِهِ يَرْتَقِي إِلَى مَرَاتِبِ الْيَقِينِ، ثُمَّ التَّحْقِيقُ أَنَّ التَّقْوَى أَدْنَاهَا التَّبَرُؤُ عَنِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وَأَعْلَاهَا الْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ، وَمَا بَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنْ تَرْكِ الْمَحْظُورِ، ثُمَّ الْمَكْرُوهِ، ثُمَّ الْمُبَاحِ مِمَّا لَا يَعْنِي (حَيْثُمَا كُنْتَ) أَيْ: فِي الْخَلَاءِ وَفِي النَّعْمَاءِ وَالْبَلَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِسِرِّ أَمْرِكَ كَمَا أَنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى ظَوَاهِرِكَ، فَعَلَيْكَ بِرِعَايَةِ دَقَائِقِ الْأَدَبِ فِي حِفْظِ أَوَامِرِهِ وَمَرَاضِيهِ، وَالِاحْتِرَازِ عَنْ مَسَاخِطِهِ وَمَسَاوِيهِ، وَعَنْ دَاوُدَ الطَّائِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتًا مِنْ قَبْرٍ: أَلَمْ أُزَكِّ أَلَمْ أُصَلِّ أَلَمْ أَصُمْ أَلَمْ أَفْعَلْ كَذَا؟ أُجِيبَ: بَلَى يَا عَبْدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ إِذَا خَلَوْتَ بَارَزْتَهُ بِالْمَعَاصِي وَلَمْ تُرَاقِبْهُ. (وَأَتْبِعِ) :أَمْرٌ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ: هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ (السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ) أَيِ: التَّوْبَةَ وَالطَّاعَةَ مُطْلَقًا، أَوْ بِأَنْ تُبَاشِرَ حَسَنَاتٍ تُضَادُّ آثَارُهَا تِلْكَ السَّيِّئَاتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَسَمَاعُ الْمَلَاهِي يُكَفَّرُ بِسَمَاعِ الْقُرْآنِ وَبِمَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْوَعْظِ عَنِ الْمَنَاهِي، وَشُرْبُ الْخَمْرِ يُكَفَّرُ بِالصِّدْقِ بِكُلِّ شَرَابٍ حَلَالٍ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ لِأَنَّ الْمَرَضَ يُعَالَجُ بِضِدِّهِ، وَالْمُتَضَادَّاتُ هِيَ الْمُنَاسَبَاتُ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَمْحُوَ كُلَّ سَيِّئَةٍ بِحَسَنَةٍ مِنْ جِنْسِهَا لَنْ تُضَادَّهَا، فَالْبَيَاضُ يُزَالُ بِالسَّوَادِ لَا بِغَيْرِهِ، وَحُبُّ الدُّنْيَا لِأَنَّ أَثَرَ السُّرُورِ بِهَا فِي الْقَلْبِ، فَلَا جَرَمَ كَفَّارَتُهُ كُلُّ أَذًى يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ اهـ.
وَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حُسْنُ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ حُبِّ الدُّنْيَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ لِأَنَّ الْهَمَّ وَالْغَمَّ لَيْسَا مِنَ الْأُمُورِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْمُرَادُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ، عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَتْبِعِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ مُقَابَلَةَ حُبِّ الدُّنْيَا بِضِدِّهَا، وَهُوَ بُغْضُهَا بِأَنْ يَتَصَدَّقَ وَلَوْ بِبَعْضِهَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي مَحْوِ السَّيِّئَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114] وَقَدْ وَرَدَتِ الْآيَةُ فِيمَنْ قَبَّلَ امْرَأَةً، ثُمَّ صَلَّى مَعَهُ - صلى الله عليه وسلم - وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَمْحُهَا) أَيْ: تَدْفَعُ الْحَسَنَةُ السَّيِّئَةَ وَتَرْفَعُهَا وَالْإِسْنَادُ مَجَازِيٌّ، وَالْمُرَادُ يَمْحُو اللَّهُ بِهَا آثَارَهَا مِنَ الْقَلْبِ أَوْ مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ، هَذَا إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَبْدِ فَتُدْفَعُ الْحَسَنَةُ إِلَى خَصْمِهِ عِوَضًا عَنِ الْمَظْلِمَةِ أَوْ يُرْضِيهِ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي وَأَحْسَنَ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّهُ حَاسَبَنِي حَتَّى طَالَبَنِي بِيَوْمٍ كُنْتُ صَائِمًا، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ أَخَذْتُ حِنْطَةً مِنْ حَانُوتِ صَدِيقٍ لِي فَكَسَرْتُهَا فَذَكَرْتُ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِي، فَأَلْقَيْتُهَا عَلَى حِنْطَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ حَسَنَاتِي بِمِقْدَارِ أَرْشِ كَسْرِهَا. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: صَغَائِرُ الذُّنُوبِ تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِالْحَسَنَاتِ، وَكَذَا مَا خُفِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء:31] وَالْحَدِيثِ، أَمَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَتَحَقَّقَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَلَا يَسْقُطُ حَدُّهَا وَلَا بِالتَّوْبَةِ، وَلَمَّا وَصَّاهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِصْلَاحِ نَفْسِهِ دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ فَقَالَ: (وَخَالِقِ النَّاسَ) :أَمْرٌ مِنَ الْمُخَالَقَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ أَيْ: خَالِطْهُمْ وَعَامِلْهُمْ (بِخُلُقٍ حَسَنٍ) :وَهُوَ بَسْطُ الْمُحَيَّا وَبَذْلُ النَّدَى وَتَحَمُّلُ الْأَذَى"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3177) "