فهرس الكتاب
الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] الْآيَةُ. قَالَ: لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ لَحِقَ بِقُرَيْشٍ وَرَجَعَ فِي دِينِهِ، ثُمَّ عَدَا عَلَى مَشْرُبَةٍ لِلْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطِ الْبَهْزِيِّ ثُمَّ السُّلَمِيِّ حَلِيفٍ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَنَقَبَهَا، فَسَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَلَحِجَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْرَجُوهُ مِنْ مَكَّةَ، فَخَرَجَ فَلَقِيَ رَكْبًا مِنْ بُهَرَاءَ مِنْ قُضَاعَةَ، فَعَرَضَ لَهُمْ، فَقَالَ: ابْنُ سَبِيلٍ مُنْقَطِعٌ بِهِ. فحَمَلُوهُ حَتَّى إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ عَدَا عَلَيْهِمْ فَسَرَقَهُمْ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَرَجَعُوا فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكُوهُ، فَقَذَفُوهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى مَاتَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا فِيهِ نَزَلَتْ إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] أُنْزِلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، يَقُولُونَ: إِنَّهُ رَمَى بِالدِّرْعِ فِي دَارِ أَبِي مُلَيْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَزْرَجِيِّ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ بِقُرَيْشٍ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ""
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَتْ خِيَانَتُهُ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ جُحُودُهُ مَا أُودِعَ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعَانِي الْخِيَانَاتِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ؛ وَتَوْجِيهُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَى الْأَشْهَرِ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ." [1] "
والآيات تدل على حرمة النيابة عن الظالمين في خصومتهم، والجدال عنهم فيما ارتكبوه من خيانات، لدفع التهمة عنهم أو دفع ما يترتب على خياناتهم من العقوبات الشرعية، ومثلهم الدعاة إلى البدع والضلال وأهل الباطل جميعا، فلا تجوز المخاصمة عنهم، أو الذب عن باطلهم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ"متفقٌ عليه [2] .
(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (7/ 457)
(2) - صحيح البخاري (1/ 133) (660) وصحيح مسلم (2/ 715) 91 - (1031)
[ش (سبعة) أشخاص وكل من يتصف بصفاتهم. (ظله) ظل عرشه وكنف رحمته. (معلق في المساجد) أي شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها. (اجتمعا عليه) اجتمعت قلوبهما وأجسادهما على الحب في الله. (تفرقا) استمرا على تلك المحبة حتى فرق بينهما الموت. (طلبته) دعته للزنا. (ذات منصب) امرأة لها مكانة ووجاهة ومال ونسب. (أخفى) الصدقة وأسرها عند إخراجها. (لا تعلم شماله) كناية عن المبالغة في السر والإخفاء. (خاليا) من الخلاء وهو موضع ليس فيه أحد من الناس. (ففاضت عيناه) ذرفت بالدموع إجلالا لله وشوقا إلى لقائه]