فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 1902

كريمة لا تنشأ إلا في ظل هذا التصور الكريم. وإذا كانت البشرية لا تدرك هذه المشاعر ولا تتذوقها، فذلك لأنها لم تعش - كما عاش جيل المسلمين الأول - في ظلال هذا القرآن. ولم تستمد قواعد حياتها من ذلك الدستور العظيم. وحين يرتفع الإنسان إلى هذا الأفق. أفق العبادة. أو أفق العبودية. ويستقر عليه، فإن نفسه تأنف حتما من اتخاذ وسيلة خسيسة لتحقيق غاية كريمة. ولو كانت هذه الغاية هي نصر دعوة الله وجعل كلمته هي العليا.

فالوسيلة الخسيسة من جهة تحطم معنى العبادة النظيف الكريم. ومن جهة أخرى فهو لا يعني نفسه ببلوغ الغايات، إنما يعني نفسه بأداء الواجبات، تحقيقا لمعنى العبادة في الأداء. أما الغايات فموكولة لله، يأتي بها وفق قدره الذي يريده. ولا داعي لاعتساف الوسائل والطرق للوصول إلى غاية أمرها إلى الله، وليست داخلة في حساب المؤمن العابد لله.

ثم يستمتع العبد العابد براحة الضمير، وطمأنينة النفس، وصلاح البال، في جميع الأحوال. سواء رأى ثمرة عمله أم لم يرها. تحققت كما قدرها أم على عكس ما قدرها. فهو قد أنهى عمله، وضمن جزاءه، عند تحقق معنى العبادة. واستراح. وما يقع بعد ذلك خارج عن حدود وظيفته .. وقد علم هو أنه عبد، فلم يعد يتجاوز بمشاعره ولا بمطالبه حدود العبد. وعلم أن الله رب، فلم يعد يتقحم فيما هو من شؤون الرب. واستقرت مشاعره عند هذا الحد، ورضي الله عنه، ورضي هو عن الله. وهكذا تتجلى جوانب من تلك الحقيقة الضخمة الهائلة، التي تقررها آية واحدة قصيرة: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» .. وهي حقيقة كفيلة بأن تغير وجه الحياة كلها عندما تستقر حقا في الضمير ... [1]

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162،163]

وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ، الذِينَ يَذْبَحُونَ الذَّبَائِحِ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ: إِنَّكَ مُخَالِفٌ فِي ذَلِكَ، فَإنَّ صَلاَتَكَ وَنُسْكَكَ وَمَحْيَاكَ عَلَى اسْمِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، خَالِصاً لِوَجْهِ اللهِ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَهُوَ رَبُّ العَالَمِينَ جَمِيعاً. وَأَنَا أُؤْمِنُ بِأَنَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَقَدْ أَمَرَنِي اللهُ بِذَلِكَ، وَأَنَا أَوَّلُ

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:4237)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت