فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 1902

والحق في الخلافة والعدل في الحكم إنما هو انحراف عن الناموس الكوني الذي قامت عليه السماء والأرض وهو أمر عظيم إذن، وشر كبير، واصطدام مع القوى الكونية الهائلة لا بد أن يتحطم في النهاية ويزهق. فما يمكن أن يصمد ظالم باغ منحرف عن سنة الله وناموس الكون وطبيعة الوجود .. ما يمكن أن يصمد بقوته الهزيلة الضئيلة لتلك القوى الساحقة الهائلة، ولعجلة الكون الجبارة الطاحنة! وهذا ما ينبغي أن يتدبره المتدبرون وأن يتذكره أولو الألباب .. [1]

والعبادة في الإسلام لا تعني الرهبانية، والانقطاع عن إعمار الأرض، والاستفادة من خيراتها، واكتشاف منافعها وكنوزها، فإن الانقطاع عن المصالح والمنافع الدنيوية لا يتوافق مع الإسلام، الذي جاء لتكون كلمة الله هي العليا, وتقام دولة الإسلام، ويحكم الإسلام في جميع شؤون الحياة، ويجاهد في سبيل الله، وتعد العدة اللازمة، ويقام العدل بين الناس، ويتولى ولاة الأمور سياسة الرعية، ورعاية شؤونهم، وتأدية حقوقهم، والإحسان إليهم, وقد قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك:15]

وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي سَخَّرَ الأَرْضَ لِلْعِبَادِ، وَجَعَلَهَا مُذَلَّلَةً سَاكِنَةً، وَأَرْسَاهَا بِالجِبَالِ لِكَيْلاَ تَضْطَرِبِ وَتَمِيدَ بِمَنْ عَلَيهَا مِنَ الخَلاَئِقِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا المِيَاهَ، وَسَلَكَهَا فِي الأَرْضِ جَدَاوِلَ وَأَنْهَاراً، لِيَنْتَفِعَ بِهَا الخَلْقُ فِي الشُّرْبِ، وَفِي رَيِّ زُرُوعِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ، وَجَعَلَ فِي الأَرْضِ سُبُلاً، فَسَافِرُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ فِي أَرْجَائِهَا حَيْثُ شِئْتُمُ، وَتَرَدَّدُوا فِي أَرْجَائِهَا وَأَقَالِيمِهَا طَلَباً لِلرِّزْقِ وَالتِّجَارَةِ، وَكُلُوا مِمَّا أَخْرَجَهُ لَكُمْ مِنْهَا مِنَ الرِّزْقِ، وَإِلَى اللهِ مَرْجِعُ الأَمْرِ، وَإِليهِ يَصِيرُ الخَلْقُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ جَمِيعاً.

والمَخْلُوقَاتُ تَسْعَى فِي الرِّزْقِ وَفْقَ الأَسْبَابِ اللاَزِمَةِ لَهً وَلَكِنَّ سَعْيَهَا وَحْدَهُ لاَ يَكْفِي، وَلاَ يُجْدِي عَلَيْهَا نفعاً إِلاَّ أَنْ يُيَسِّرَهُ اللهُ لَهَا، فَالسَّعْيُ فِي السَّببِ لاَ يُنَافِي التَّوَكُلَ. [2]

والناس لطول ألفتهم لحياتهم على هذه الأرض وسهولة استقرارهم عليها، وسيرهم فيها، واستغلالهم لتربتها ومائها وهوائها وكنوزها وقواها وأرزاقها جميعا .. ينسون نعمة الله في

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3807)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:5134،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت