فهرس الكتاب
(وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) أي والحال أنه لا يلحقكم ظلم ولا اضطهاد من أعدائكم، فإن القوىّ المستعد لمقاومة المعتدى قلما يعتدى عليه أحد، وإن اعتدى عليه فقلّ أن يظفر به.
وفى هذا إيماء إلى أن إعداد المستطاع من القوة الحربية والمرابطة في سبيل الله لا يمكن تحقيقهما إلا بإنفاق الكثير من المال، ومن ثم رغّب سبحانه عباده المؤمنين في الإنفاق في سبيله، ووعدهم بأن كل ما ينفقون فيها يوفى إليهم إما في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فحسب. [1]
فإن إعداد القوة، وصناعة أنواع الأسلحة، واستخدام وسائل الإعلام الحديثة، وتصنيعها لإبلاغ الدعوة وإرشاد الناس، والتصدي لإعلام الأعداء المفسد، وتوفير جميع ما تحتاجه البلاد في المجال التقني والصناعي وغيرها مما يساهم في بناء الدولة الإسلامية، وتقويتها، وقيادتها للبشرية، كل هذا من الواجبات الشرعية، التي لا يسع المسلمين تركها، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
كما أن العلوم الدنيوية النافعة: كالطب، والصناعة، والزراعة وغيرها، هي من فروض الكفاية التي يجب على الدولة الإسلامية أن تقوم بها، وتؤهل من الرعية من يقوم بهذا الفرض.
وامتثال هذا الأمر يقتضى أن تكون الأمة على استعداد دائم للجهاد بأن يتعلم كل فرد من أفرادها فنون الحرب ويتمرن عليها، وأن تقتنى السلاح الذي تحتاج إليه في هذا النضال، وتعلم كيفية استعماله في كل زمان بما يناسبه. ومن هذا تعلم أن الحكومة الإسلامية يجب عليها أن تقيم هذا الواجب بنفسها لا أن تبقى عالة على غيرها، وعلى الأمة أن تساعدها عليه، بل تلزمها إياه إذا قصرت فيه، بعكس ما نراه الآن من تراخى الأمم الإسلامية وضعفها وتوانيها في ذلك، حتى طمعت فيها كل الدول التي تجاورها واجتاحتها من أطرافها واجتثت كثيرا من كورها وأقاليمها. [2]
فكل قوة مستطاعة يجب على الأمة أن تتضافر على إيجادها، وإلا أثمت كلها، ولم ينج من الإثم فقيرها وغنيها ولا قويها أو ضعيفها، فالقادر بقدرته، والضعيف بلسانه
(1) - تفسير المراغي (10/ 24)
(2) - تفسير المراغي (5/ 88)