فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 1902

يَتَهَدَّدُ اللهُ تَعَالَى الكَافِرِينَ، وَيَقُولُ لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: دَعْهُمْ فِي غَفَلاتِهِمْ، يَتَمَتَّعُوا وَيَأْكُلُوا وَيُلهِهِمُ الأَمَلُ بِالحَيَاةِ عَنِ التَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ إِلى اللهِ، فَسَوفَ يَعْلَمُونَ سُوءَ عَاقِبَتِهِمْ إِذَا هُمْ عَايَنُوا سُوءَ الجَزَاءِ. [1]

أي دعهم أيها الرسول في غفلاتهم يأكلون كما تأكل الأنعام، ويتمتعون بلذات الدنيا وشهواتها، وتلهيهم الآمال عن الآجال، فيقول الرجل منهم غدا سأنال ثروة عظيمة، وأحظى بما أشتهى، ويعلو ذكرى، ويكثر ولدي، وأبنى القصور، وأكثر الدور، وأقهر الأعداء، وأفاخر الأنداد، إلى نحو ذلك مما يغرق فيه من بحار الأمانى والآمال وطلب المحال.

ثم علل الأمر بتركهم بقوله: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) سوء صنيعهم إذا هم عاينوا سوء جزائهم، ووخامة عاقبتهم وفى هذا وعيد بعد تهديد، وإلزام لهم بالحجة ومبالغة في الإنذار، وقد جاء في أمثالهم (أعذر من أنذر) وإيماء إلى أن التلذذ والتنعم وعدم الاستعداد للآخرة والتأهب لها- ليس من أخلاق المؤمنين. [2]

أي يلههم ويشغلهم ظنهم بطول الأعمار، وتحقق الحاجات والرغبات والشهوات، وأن مستقبلهم خال من المنغصات والعقوبات، كل هذا يشغلهم عن الإيمان والتوبة.

فمن تأمل حال الكفار فلا يجد أهدافهم وسياساتهم وقوانينهم تخرج عن هذين المقصدين الأكل والتمتع بأنواعه، التي تشترك وتتساوى فيها معهم الأنعام السارحة، بل هم أضل منها كما قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) } [الفرقان]

انْظُرْ إلى حَالِ الذي جَعَلَ هَوَاهُ إلهَهُ، بأَنْ أطَاعَهُ وبَنَى عليهِ أمرَ دِينهِ، وأعْرَضَ عن استماع الحَقِّ، والحُجَجِ، والبَراهِينِ الواضِحَةِ الدَّالَّةِ على وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وعظيمِ قُدْرَتِه، واعْجَبْ منْهُ، ولا تَعْبَأْ بِهِ فإِنَّكَ لستَ حَفيظاً عليهِ، وليسَ عَلَيْكَ هُدَاهُ، وإِنّما عَليكَ إبلاغُهُ الرِّسَالَةَ، ثُمّ إِنْ شَاءَ اللهُ هَدَاه، وإِنْ شَاءَ أضَلَّهُ.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1806،بترقيم الشاملة آليا) -

(2) - تفسير المراغي (14/ 5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت