المسلم بخوض بركة من الوحل، فإن الشط الممرع لا بد أن تلوثه الأقدام الملوثة في النهاية .. من أجل هذا كله يكره الله الخائنين ويكره الله الخيانة. «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ» .
ويجب أن نذكر أن هذه الأحكام كانت تتنزل والبشرية بجملتها لا تتطلع إلى مثل هذا الأفق المشرق. لقد كان قانون الغابة هو قانون المتحاربين حتى ذلك الزمان .. قانون القوة التي لا تتقيد بقيد متى قدرت. ويجب أن نذكر كذلك أن قانون الغابة هو الذي ظل يحكم المجتمعات الجاهلية كلها بعد ذلك إلى القرن الثامن عشر الميلادي حيث لم تكن أوربا تعرف شيئا عن المعاملات الدولية إلا ما تقتبسه في أثناء تعاملها مع العالم الإسلامي. ثم هي لم ترتفع قط حتى اللحظة إلى هذا الأفق في عالم الواقع حتى بعد ما عرفت نظريا شيئا اسمه القانون الدولي! وعلى الذين يبرهم «التقدم الفني في صناعة القانون» أن يدركوا حقيقة «الواقع» بين الإسلام والنظم المعاصرة جميعا! وفي مقابل هذه النصاعة وهذه النظافة يعد الله المسلمين النصر، ويهوّن عليهم أمر الكفار والكفر! «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا، إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ» .. فتبييتهم الغدر والخيانة لن يمنحهم فرصة السبق، لأن الله لن يترك المسلمين وحدهم، ولن يفلت الخائنين لخيانتهم. والذين كفروا أضعف من أن يعجزوا الله حين يطلبهم، وأضعف من أن يعجزوا المسلمين والله ناصرهم. فليطمئن أصحاب الوسائل النظيفة - متى أخلصوا النية فيها لله - من أن يسبقهم أصحاب الوسائل الخسيسة. [1]
وبهذا يتبين أن حياة الكفار التي تشبه حياة الأنعام بل هي أسوأ، لا يمكن أن تسمى حضارة وتقدم، بل هي تخلف وتأخر عن الاستقامة والصلاح والطهارة والعفة، وانحطاط في الغايات والعقائد والأخلاق، فقد أتقنوا صناعة الحديد والآلات، وشيدوا المصانع والعمارات، ولكنهم غفلوا عن بناء الإنسان والأسرة والمجتمع، ولهذا أصبحت مجتمعاتهم تعاني الضلال العقائدي والانحراف الأخلاقي، والتفكك الأسري، والضنك، والأمراض النفسية، والجسدية، والجريمة والمخدرات، يقول سيد قطب رحمه الله في كتابه القيم معالم في الطريق"الإسلام لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات ... مجتمع إسلامي، ومجتمع جاهلي .."
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:2084)