فهرس الكتاب

الصفحة 350 من 1902

وقد يندرج في ذلك ولاة الأمور فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم؛ لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك، فكما وجب على الأئمة الصبر على أذى الرعية وظلمها إذا لم تتم المصلحة إلا بذلك أو كان تركه يفضي إلى فساد أكثر منه. وكذلك يجب على الرعية الصبر على جور الأئمة وظلمهم إذا كان في ترك الصبر مفسدة راجحة.

فعلى كل من الراعي والرعية حقوقا للآخر، حقوقا عليه أداؤها كما ذكرت بعضه في كتاب الجهاد والقضاء، وعليه أن يصبر على الآخر ويحلم عنه في أمور، فلا بد من السماح والصبر في كل منهما، كما قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [17/ 90] وفي الحديث عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قِيلَ لَهُ: مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: «إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَطِيبُ الْكَلَامِ» قِيلَ: فَمَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «السَّمَاحَةُ وَالصَّبْرُ» قِيلَ: فَمَنْ أَفْضَلُ الْمُسْلِمِينَ إِسْلَامًا؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» قِيلَ: فَمَنْ أَفْضَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» ،قِيلَ: فَمَا أَفْضَلُ الْهِجْرَةِ؟ قَالَ: مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ" [1] وفي أسماء الله"الغفور، الرحيم"فبالحلم يعفو عن سيئاتهم، وبالسماحة يوصل إليهم المنافع، فيجمع بين جلب المنفعة ودفع المضرة، فأما الإمساك عن ظلمهم والعدل عليهم فوجوب ذاك أظهر من هذا، فلا حاجة إلى بيانه. [2] "

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة:73]

يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ - صلى الله عليه وسلم - بِأَنْ يَبْذُلَ الْجَهْدَ فِي مُقَاوَمَةِ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ، الذِينَ يَعِيشُونَ بَيْنَ ظَهْراني المُسْلِمِينَ، مِثْلَما تَبْذُلُهُ هَاتَانِ الطَّائِفَتَانِ فِي عَدَاوَةِ الرَّسُولِ وَالمُسْلِمِينَ، كَمَا يَأْمُرُهُ بِمُعَامَلَتِهِمَا بِالشِّدَّةِ وَالغَلْظَةِ لِتَرْتَدِعَا، وَيَرْتَدِعَ مَنْ خَلْفَهُمَا. وَمُجَاهَدَةُ الْكُفَّارِ تَكُونُ بِالسَّيْفِ، وَمُجَاهَدَةِ المُنَافِقِينَ تَكُونُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، وَسَيَكُونُ مَصِيرُ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَيَخْلُدُونَ فِيهَا أَبداً، وَبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ لَهُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. [3]

(1) - تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (2/ 604) (643) صحيح

(2) - المستدرك على مجموع الفتاوى (5/ 126) ومجموع الفتاوى (28/ 180)

(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1309،بترقيم الشاملة آليا) -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت