فهرس الكتاب
وَلَوْ أَنَّ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - رَكَنَ إِلى الكُفَّارِ، وَلَوْ قَلِيلاً، لَعَاقَبَهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ الرُّكُونِ بِإِذَاقَتِهِ عَذَابَ الدُّنْيا، وَعَذَابَ الآخِرَةِ مُضَاعَفَيْنِ، وَبِإِفْقَادِهِ المُعِينَ وَالنَّصِيرَ. وَلأَنَّ الرَّسُولَ العَظِيمَ قُدْوَةٌ لِلمُؤْمِنِينَ يَقْتَدُونَ بِهِ، فَأَيُّ تَصَرُّفٍ مِنْهَ يُتَابِعُهُ المُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ، وَيَتَّخِذُونَهُ سُنَّةً. [1]
"أي ولو فعلت ذلك لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات: أي ضاعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة، فهو - صلى الله عليه وسلم - لو ركن إليهم يكون عذابه ضعف عذاب غيره، لأن الذنب من العظيم يكون عقابه أعظم، ومن ثم يعاقب العلماء على زلاتهم أشد من عقاب العامة لأنهم يتبعونهم."
وخلاصة ذلك- إنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك، وعقدت على الركون همّك، لا ستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا والآخرة، ولصار عذابك مثلى عذاب المشرك في الدنيا ومثلى عذابه في الآخرة.
وقد ذكروا في حكمة هذا- أن الخطير إذا ارتكب جرما وخطا خطيئة يكون سببا في ارتكاب غيره مثله والاحتجاج به، فكأنه سن ذلك، سنة سيئة .." [2] "
وقال تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) } [القلم]
قال الإمام ابن جرير رحمه الله:"معنى ذلك: وَدَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ لَوْ تَلِينُ لَهُمْ فِي دِينِكَ بِإِجَابَتِكَ إِيَّاهُمْ إِلَى الرُّكُونِ إِلَى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ فِي عِبَادَتِكَ إِلَهَكَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء:75] وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ شَبَّهَ التَّلْيِينَ فِي الْقَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ" [3]
وخلاصة ذلك- ودوا لو تترك بعض ما أنت عليه مما لا يرضونه مصانعة لهم، فيفعلون مثل ذلك، ويتركون بعض ما لا ترضى، فتلين لهم ويلينون لك، وترك بعض الدين كله كفر بواح. والمراد من هذا النهى التهييج والتشدد في المخالفة والتصميم على معاداتهم. [4]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2103،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - تفسير المراغي (15/ 79)
(3) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (23/ 157)
(4) - تفسير المراغي (29/ 31)