فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 1902

الْخَالِقِ وَشِدَّةُ الرَّغْبَةِ فِي فَهْمِهِ ثُمَّ شِدَّةُ الْعِنَايَةِ لِتَدَبُّرِهِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ بِطَلَبِ مَعَانِي مَا أَحَبَّ اللَّهُ أَنْ يَفْهَمَهُ عَنْهُ فَيَقُومُ بِهِ لِلَّهِ بَعْدَ مَا يَفْهَمُهُ بِمَا أَمَرَ بِهِ كَمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى، ثُمَّ يَنْشُرُ مَا فَهِمَ فِي الْعِبَادِ وَيُدِيمُ دِرَاسَتَهُ وَالتَّخَلُّقَ بِأَخْلَاقِهِ وَالتَّأَدُّبَ بِآدَابِهِ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ فِي حَيَاتِهِ فَبَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي طَاعَتِهِ، وَنُصْرَتُهُ، وَمُعَاوَنَتُهُ، وَالْمُسَارَعَةُ إِلَى مَحَبَّتِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَالْعِنَايَةُ بِطَلَبِ سُنَّتِهِ وَالْبَحْثُ عَنْ أَخْلَاقِهِ، وَآدَابِهِ وَتَعْظِيمُ أَمْرِهِ وَلُزُومُ الْقِيَامِ بِهِ وَشِدَّةُ الْغَضَبِ، وَالْإِعْرَاضِ عَمَّنْ يَدِينُ بِخِلَافِ سُنَّتِهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَمَّنْ ضَيَّعَهَا لِدُنْيَا يُؤْثِرُهَا عَلَيْهَا كَانَ مِنْهُ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا ثُمَّ التَّشَبُّهُ بِهِ فِي جَمِيعِ هَدْيِهِ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَحُبُّ صَلَاحِهِمْ وَرُشْدِهِمْ وَعَدْلِهِمْ وَاجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَيْهِمْ، وَكَرَاهِيَةُ افْتِرَاقِ الْأُمَّةِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّدَيُّنُ بِطَاعَتِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَالْبُغْضُ لِمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ فَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَيَكْرَهَ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، وَيُشْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَيَرْحَمَ صَغِيرَهُمْ، وَيُوَقِّرَ كَبِيرَهُمْ، وَيَفْرَحَ بِفَرَحِهِمْ، وَيَحْزَنَ بِحُزْنِهِمْ، وَيُحِبَّ صَلَاحَهُمْ، وَأُلْفَتَهُمْ، وَدَوَامَ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، وَنَصْرَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ». [1] .

وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ النَّصِيحَةَ لَمَّا كَانَتْ إِحْسَانًا يَصْدُرُ عَنْ رَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ، وَيُقْصَدُ بِهِ صَلاَحُ الْمَنْصُوحِ، لَزِمَ أَنْ تَقَعَ بِالرِّفْقِ وَاللُّطْفِ وَاللِّينِ وَالْحُسْنَى، لاَ بِالذَّمِّ وَالْهَتْكِ وَالْقَدْحِ وَالتَّعْيِيرِ، [2] فعن شُرَيْحَ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَغَيْرُهُ، قَالَ: جَلَدَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ صَاحِبَ دَارَا حِينَ فُتِحَتْ، فَأَغْلَظَ لَهُ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ الْقَوْلَ حَتَّى غَضِبَ عِيَاضٌ، ثُمَّ مَكَثَ لَيَالِيَ، فَأَتَاهُ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ هِشَامٌ لِعِيَاضٍ: أَلَمْ تَسْمَعِ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا، أَشَدَّهُمْ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا لِلنَّاسِ"؟ فَقَالَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ: يَا هِشَامُ بْنَ حَكِيمٍ، قَدْ سَمِعْنَا مَا سَمِعْتَ، وَرَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ، فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ، فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ"

(1) - الإيمان لابن منده (1/ 423)

(2) - النووي على مسلم 2 38 والموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (45/ 150)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت