فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 1902

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَقِيَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَقَدِ ابْتَعْتُ لَحْمًا بِدِرْهَمٍ فَقَالَ:"مَا هَذَا يَا جَابِرُ؟"قُلْتُ: قِرْمُ أَهْلِي، فَابْتَعْتُ لَهُمْ لَحْمًا بِدِرْهَمٍ، فَجَعَلَ عُمَرُ يُرَدِّدُ قِرْمُ الْأَهْلِ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنَّ الدِّرْهَمَ سَقَطَ مِنِّي وَلَمْ أَلْقَ عُمَرَ"رواه البيهقي [1] ،ومعنى"قرم"أي اشتهوا الطعام بشدة."

وعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ حِمَالُ لَحْمٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَرِمْنَا إِلَى اللَّحْمِ، فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ لَحْمًا، فَقَالَ عُمَرُ:"أَمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَطْوِيَ بَطْنَهُ عَنْ جَارِهِ، أَوِ ابْنِ عَمِّهِ، أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ هَذِهِ الْآيَةُ: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف:20] ؟" [2]

وقد جاءت الشريعة بالتوسط في النفقة دون إسراف ولا تقتير، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]

مِنْ صِفاتِ عِبادِ الرَّحمنِ أَيضاً الاعتدَالُ في الإِنفَاقِ على أَنْفُسِهِمْ، وأَهليهمْ، فهُمْ لَيْسُوا بِمُبَذِّرينَ في إنفاقِهِمْ فيَصْرِفُون فوقَ الحَاجَةِ، ولا بُخَلاءَ على أهليهِمْ فَيُقَصِّرُون في حقِّهِمْ، فلا يَكْفُونَهُمْ، بلْ همْ مُعْتَدِلُونَ في أمورِهِمْ. [3]

وهذه صفة أخرى من صفات عباد الرحمن .. إنهم يلزمون الطريق الوسط في حياتهم، وفي كل شان من شئونهم، فلا إفراط، ولا تفريط، فإن خير الأمور أوساطها .. وأكثر ما يتجلّى هذا المبدأ في إنفاق المال، حيث هو عملية مستمرة، يقوم بها الإنسان مرات كل يوم، سواء أكان غنيا أم فقيرا ..

(1) - شعب الإيمان (7/ 462) (5285) صحيح

(2) - شعب الإيمان (7/ 462) (5284) وموطأ مالك ت عبد الباقي (2/ 936) فيه انقطاع

قَالَ: الْحَلِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَهَذَا الْوَعِيدُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ لِلْكُفَّارِ، الَّذِينَ الَّذِينَ يُقْدِمُونَ عَلَى الطَّيِّبَاتِ الْمَحْظُورَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [الأحقاف:20] فَقَدْ يَحْسُنُ مِثْلُهُ، عَلَى الْمُنْهَمِكِينَ فِي الطَّيِّبَاتِ الْمُبَاحَةِ، لِأَنَّ مَنْ تَعَوَّدَهَا مَالَتْ نَفْسُهُ إِلَى الدُّنْيَا فَلَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَرْتَكِبَ فِي الشَّهَوَاتِ وَالْمَلَاذِّ، وَكُلَّمَا أَجَابَ نَفْسَهُ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا دَعَتْهُ إِلَى غَيْرِهَا، فَيَصِيرَ إِلَى أَنْ لَا يُمْكِنَهُ عِصْيَانُ نَفْسِهِ فِي هَوًى قَطُّ، وَيَنْسَدَّ بَابُ الْعِبَادَةِ [ص:463] دُونَهُ، فَإِذَا آلَ الْأَمْرُ بِهِ إِلَى هَذَا لَمْ يُبْعَدْ أَنْ يُقَالَ: {أَذَهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف:20] فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُعَوَّدَ النَّفْسُ مَا يَمِيلُ بِهَا إِلَى الشَّرَهِ، ثُمَّ يَصْعُبَ تَدَارُكُهَا، وَلْتَرْضَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، عَلَى السَّدَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَهْوَنُ، مِنْ أَنْ يَضْرِبَ عَلَى الْفَسَادِ، ثُمَّ يَجْتَهِدَ فِي إِعَادَتِهَا إِلَى الصَّلَاحِ"شعب الإيمان (7/ 462) "

(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2804،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت