فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 1902

رعيته، فيعاملهم بالتواضع واللين من غير ضعف، ويتحبب إليهم ويرحمهم، وقد قال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:215]

يَأْمُرُ اللهُ تَعالى رسُولَه محمداً - صلى الله عليه وسلم -،بأنْ يُلِينَ جَانِبَهُ لِمَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ عِبادِ اللهِ المُؤمنينَ، وأَنْ يَتَرَفَّقَ بِهِمْ، فَذَلِكَ أَدْعَى لاِخْلاصِهِمْ للرّسُولِ، ولِزِيَادَةِ مَحَبِتَّهِ. [1]

هو أمر بما يقضى به العدل، في التسوية بين عباد الله، فيما ينزل عليهم من آيات الله، وفيما يفيضه رسول الله على الناس من بر ورحمة .. فالرسول- صلوات الله وسلامه عليه- وإن بدأ بدعوة أهله إليه، فلأن ذلك الذي يدعوهم إليه هو برّ وضعه الله بين يديه، والأهل والأقربون هم أولى الناس بهذا البرّ، بعد نفسه، كما في الحديث الشريف: «ابدا بنفسك ثم بمن تعول» ثم إنه إذ كان هذا الخير هو مما لا ينفد أبدا بالعطاء، والإنفاق، بل إنه يزيد على الإنفاق، ويحلو طعمه كلّما كثرت الأيدى الممدودة إليه- فقد كان على النبيّ أن يسع بهذا الخير الذي بين يديه الناس جميعا، قريبهم، وبعيدهم .. وأنه إذا بدأ بدعوة أهله إلى هذا الخير، فإن ذلك لا يجعله يقف عند أهله، ولا أن ينتظر حتى يجتمع أهله على هذا الخير، بل إن عليه أن يحتفى بهؤلاء الضيوف الذي سبقوا أهله إلى هذه المائدة التي أعدّها، ودعا الناس إليها .. فمن سبق كان أولى الناس بأن يأخذ مكان الصدارة منها، وأن يكون بموضع لحفاوة والتكريم من ربّ الدعوة، وصاحب المائدة .. سواء أكانوا من الأقربين، أو الأبعدين .. ! «وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» . [2]

أي بلين جانبك، ولطف خطابك لهم، وتوددك، وتحببك إليهم، وحسن خلقك والإحسان التام بهم، وقد فعل - صلى الله عليه وسلم -،ذلك كما قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ} فهذه أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -،أكمل الأخلاق، التي يحصل بها من المصالح العظيمة، ودفع المضار، ما هو مشاهد، فهل يليق بمؤمن بالله ورسوله، ويدعي اتباعه والاقتداء به، أن يكون كلا على المسلمين، شرس الأخلاق، شديد الشكيمة عليهم، غليظ القلب، فظ القول، فظيعه؟ [و] إن رأى منهم معصية، أو

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:3029،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - التفسير القرآني للقرآن (10/ 184)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت