فهرس الكتاب

الصفحة 478 من 1902

نصح الولاة ومحاسبتهم وتقويمهم:

وقوله رضي الله عنه:"وإن أسأت فقوموني"من التقويم، يقال قومه أي عدله، أي إذا أسأت فعدلوني وردوني إلى الحق، وهذا يدل على أن الأمة يجب عليها أن تقوم الإمام والولاة، وتردهم إلى الحق، وتمنعهم من الظلم, قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وَأَمَّا قَوْلُهُ:"فَإِنَ اسْتَقَمْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ زُغْتُ فَقَوِّمُونِي"،فَهَذَا مِنْ كَمَالِ عَدْلِهِ وَتَقْوَاهُ، وَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ إِمَامٍ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَوَاجِبٌ عَلَى الرَّعِيَّةِ أَنْ تُعَامِلَ الْأَئِمَّةَ بِذَلِكَ، فَإِنِ اسْتَقَامَ الْإِمَامُ أَعَانُوهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ زَاغَ وَأَخْطَأَ بَيَّنُوا لَهُ الصَّوَابَ وَدَلُّوهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَعَمَّدَ ظُلْمًا مَنَعُوهُ مِنْهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَإِذَا كَانَ مُنْقَادًا لِلْحَقِّ، كَأَبِي بَكْرٍ، فَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِي تَرْكِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ دَفْعُ الظُّلْمِ إِلَّا بِمَا هُوَ أَعْظَمُ فَسَادًا مِنْهُ، لَمْ يَدْفَعُوا الشَّرَّ الْقَلِيلَ بِالشَّرِّ الْكَثِيرِ."

وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِضِيِّ:"وَمِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ تَكْمِيلُ الرَّعِيَّةِ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنْهُمُ التَّكْمِيلَ؟"

عَنْهُ أَجْوِبَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِمَامَ يُكَمِّلُهُمْ وَهُمْ لَا يُكَمِّلُونَهُ أَيْضًا، بَلِ الْإِمَامُ وَالرَّعِيَّةُ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، لَا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، بِمَنْزِلَةِ أَمِيرِ الْجَيْشِ وَالْقَافِلَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَالدِّينُ قَدْ عُرِفَ بِالرَّسُولِ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَ الْإِمَامِ دِينٌ يَنْفَرِدُ بِهِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِيهَا بَيِّنًا أَمَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَبَيِّنًا لِلْإِمَامِ دُونَهُمْ بَيَّنَهُ لَهُمْ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَبِهًا عَلَيْهِمُ اشْتَوَرُوا فِيهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ، وَإِنْ تَبَيَّنَ لِأَحَدٍ مِنَ الرَّعِيَّةِ دُونَ الْإِمَامِ بَيَّنَهُ لَهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الِاجْتِهَادُ، فَالْإِمَامُ هُوَ الْمُتَّبَعُ فِي اجْتِهَادِهِ، إِذْ لَا بُدَّ مِنَ التَّرْجِيحِ، وَالْعَكْسُ مُمْتَنِعٌ." [1] "

وعَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عِيسَى قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، مَشْرُبَةَ بَنِي حَارِثَةَ، فَوَجَدَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَقَالَ عُمَرُ:"كَيْفَ تَرَانِي يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: أَرَاكَ وَاللَّهِ كَمَا أُحِبُّ، وَكَمَا يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّ لَكَ الْخَيْرَ، أَرَاكَ قَوِيًّا عَلَى جَمْعِ الْمَالِ، عَفِيفًا عَنْهُ، عَادِلًا فِي قَسْمِهِ، وَلَوْ مِلْتَ عَدَلْنَاكَ، كَمَا يُعْدَلُ السَّهْمُ فِي الثِّقَافِ، فَقَالَ عُمَرُ: هَاهْ، فَقَالَ: لَوْ مِلْتَ عَدَلْنَاكَ، كَمَا يُعْدَلُ السَّهْمُ فِي الثِّقَافِ، فَقَالَ عُمَرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي فِي قَوْمٍ إِذَا مِلْتُ عَدَلُونِي"أخرجه ابن المبارك في الزهد [2]

(1) - منهاج السنة النبوية (8/ 272)

(2) - الزهد والرقائق لابن المبارك والزهد لنعيم بن حماد (1/ 179) (512) فيه انقطاع - المشربة: الحجرة المرتفعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت