فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 1902

أي إن ذلك المفسد إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر أسرع إليه الغضب، وعظم عليه الأمر وأخذته الأنفة وطيش السفه، إذ يخيل إليه أن النصح والإرشاد ذلة تنافى العزة التي تليق بأمثاله. وفي طبع المفسدين النفور ممن يأمرهم بالصلاح، إذ يرون في ذلك تشهيرا بهم وإعلانا لمفاسدهم التي يسترونها بزخرف القول وخلابته، وإن استطاعوا الحبس حبسوا أو ضربوا أو قتلوا. (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) أي إن النار مصيره ويكفيه عذابها جزاء له على كبريائه وحميته حمية الجاهلية، وستكون مهاده ومأواه، وهى بئس المهاد وشره، فلا راحة فيها، ولا اطمئنان لأهلها. [1]

إذا تولى فقصد إلى الإفساد في الأرض وأهلك الحرث والنسل ونشر الخراب والدمار وأخرج ما يعتمل في صدره من الحقد والضغن والشر والفساد .. إذا فعل هذا كله ثم قيل له: «اتَّقِ اللَّهَ» .. تذكيرا له بخشية الله والحياء منه والتحرج من غضبه .. أنكر أن يقال له هذا القول واستكبر أن يوجه إلى التقوى وتعاظم أن يؤخذ عليه خطأ وأن يوجه إلى صواب. وأخذته العزة لا بالحق ولا بالعدل ولا بالخير ولكن «بِالْإِثْمِ» .. فاستعز بالإجرام والذنب والخطيئة، ورفع رأسه في وجه الحق الذي يذكر به، وأمام الله بلا حياء منه وهو الذي كان يشهد الله على ما في قلبه ويتظاهر بالخير والبر والإخلاص والتجرد والاستحياء! إنها لمسة تكمل ملامح الصورة، وتزيد في قسماتها وتمييزها بذاتها .. وتدع هذا النموذج حيا يتحرك. تقول في غير تردد: هذا هو. هذا هو الذي عناه القرآن! وأنت تراه أمامك ماثلا في الأرض الآن وفي كل آن! وفي مواجهة هذا الاعتزاز بالإثم واللدد في الخصومة والقسوة في الفساد والفجور في الإفساد .. في مواجهة هذا كله يجبهه السياق باللطمة اللائقة بهذه الجبلة النكدة: «فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ، وَلَبِئْسَ الْمِهادُ!» ..

حسبه! ففيها الكفاية! جهنم التي وقودها الناس والحجارة. جهنم التي يكبكب فيها الغاوون وجنود إبليس أجمعون. جهنم الحطمة التي تطلع على الأفئدة. جهنم التي لا تبقي ولا تذر. جهنم التي تكاد تميز من الغيظ! حسبه جهنم «وَلَبِئْسَ الْمِهادُ!» ويا للسخرية القاصمة في ذكر «الْمِهادُ» هنا .. ويا لبؤس من كان مهاده جهنم بعد الاعتزاز والنفخة والكبرياء! [2]

(1) - تفسير المراغي (2/ 112)

(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:437)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت