فهرس الكتاب

الصفحة 537 من 1902

كتاب الله ونبيّ الله فأما نبي الله فقد مضى، وأما كتاب الله فقد أبقاه الله بين أظهرهم رحمة منه ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.

ليس الاختلاف مذموما إذا كان في مجال مسائل الاجتهاد واستخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع، وما زالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متآلفون، ولا فيما كان أثناء تبادل الآراء فيما يحقق مصلحة الأمة بإخلاص، فليس في الآية دليل على تحريم الاختلاف في الجزئيات والفروع، وتقدير المصالح العامة، وإنما الخلاف المذموم هو في اتباع الأهواء والأغراض المختلفة، وما يؤدي إليه من تقاطع وتدابر وتقاتل.

أوجب الله تعالى علينا التّمسك بكتابه وسنّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - والرّجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسّنة اعتقادا وعملا، وذلك سبب اتّفاق الكلمة، وانتظام الشّتات الذي يتمّ به مصالح الدّنيا والدّين، والسّلامة من الاختلاف، كما بيّنا. وقرن ذلك بأمره تعالى بتذكّر نعمه وأعظمها الإسلام واتّباع نبيّه محمد عليه الصّلاة والسّلام، فإن به زالت العداوة والفرقة، وكانت المحبّة والألفة. [1]

وفي الآية دليل على وجوب اتّباع النّصوص الشّرعية من غير تصرّف وانحراف، ولا تقليد وعمل برأي فاسد غير صحيح، ومن حاد عن منهج السّلف زاغ وضلّ، فكانوا كقوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الرّوم 30/ 32] .

وطريق رفع الخلاف الرّد إلى القرآن والسّنة، فقال تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النّساء 4/ 59] . [2]

فالتنازع لا بد من أن يكون في قضية داخلة في نطاق مأمورات الطاعة، ويجب أن يكون لها مردّ ينهى هذا التنازع {فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر} .

والذين يعرفون هذه الأحكام هم العلماء، فإن تنازع المحكوم مع الحاكم نذهب إلى العلماء ليبينوا لنا حكم الله في هذه المسألة، إذن فإن أريد ب «أولي الأمر» الحاكم، نقول له: {فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول} أي على الحاكم أن يتبع ما ثبت عن الله والرسول، والحجة في ذلك هم

(1) - التفسير المنير للزحيلي (4/ 29)

(2) - التفسير المنير للزحيلي (12/ 166)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت