عَلَيْكُمْ إِلاَّ تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذِهِ النَّارِ، فَقَامَ نَاسٌ فَتَحَجَّزُوا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاثِبُونَ، قَالَ: أَمْسِكُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّمَا أَمْزَحُ مَعَكُمْ، فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ: مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ تُطِيعُوهُ. [1]
وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» [2]
(1) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (18/ 242) (34397) وسنن ابن ماجه (2/ 955) (2863) والمسند الجامع (6/ 460) (4627) صحيح
(2) - المعجم الكبير للطبراني (18/ 170) (381) وشرح السنة للبغوي (10/ 44) (2455) عن النواس
صحيح
«لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ» ) صِلَةُ طَاعَةٍ، وَقَوْلُهُ: (فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ) خَبَرُ لَا، وَفِيهِ مَعْنَى النَّهْيِ، يَعْنِي لَا يَنْبَغِي وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، وَتَخْصِيصُ ذِكْرِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ مُشْعِرٌ بِعَلِيَّةِ هَذَا الْحُكْمِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ الْوُلَاةُ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: مَا أَمَرَ بِهِ الْوُلَاةُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَهُمْ، يَسَعُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ فِيمَا كَانَتْ وِلَايَتُهُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يَسَعُ الْمَأْمُورَ أَنْ يَفْعَلَهُ حَتَّى يَكُونَ الَّذِي أَمَرَهُ عَدْلًا، وَحَتَّى يَشْهَدَ عَدْلٌ سِوَاهُ، عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَأْمُورِ ذَلِكَ، الْكَشَّافُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ لَهُ: أَلَسْتُمْ أُمِرْتُمْ بِطَاعَتِنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ نَزَعْتُ عَنْكُمْ إِذَا خَالَفْتُمُ الْحَقَّ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59] قَالَ الطِّيبِيُّ:- رَحِمَهُ اللَّهُ - يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ عَطْفٌ عَلَى أَطِيعُوا اللَّهَ وَكُرِّرَ الْفِعْلُ لِيَدُلَّ عَلَى اسْتِقْلَالِ طَاعَةِ الرَّسُولِ، وَلَمْ يُؤْتَ بِقَوْلِهِ وَأَطِيعُوا فِي {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] دَلَالَةً عَلَى عَدَمِ اسْتِقْلَالِهِمْ، وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء:59] وَكَأَنَّهُ قِيلَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ أُولُوا الْأَمْرِ مُسْتَقِلِّينَ، وَشَاهَدْتُمْ مِنْهُمْ خِلَافَ الْحَقِّ فَرُدُّوهُ إِلَى الْحَقِّ، وَلَا يَأْخُذْكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِم".مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2408) "
وقال البغوي:"اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ الْوُلاةُ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ: مَا أَمَرَ بِهِ الْوُلاةُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَهُمْ يَسَعُهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ، فِيمَا كَانَتْ وِلايَتُهُ إِلَيْهِمْ."
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يَسَعُ الْمَأْمُورُ أَنْ يَفْعَلَهُ حَتَّى يَكُونَ الَّذِي يَأْمُرُهُ عَدلا، وَحَتَّى يَشْهَدَ عَدْلٌ سِوَاهُ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَأْمُورِ ذَلِكَ، وَفِي الزِّنَا حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ ثَلاثَةٌ سِوَاهُ.
وَحُكِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ كَانَ عَلَى الْعِرَاقِ، قَالَ لِعِدَّةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنيِنَ يَكْتُبُ إِلَيَّ فِي أُمُورٍ أَعْمَلُ بِهَا فَمَا تَرَيَانِ؟ قَالَ الشَّعْبِيُّ: أَنْتَ مَأْمُورٌ، وَالتَّبْعَةُ عَلَى آمِرِكَ.
فَقَالَ لِلْحَسَنِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قَدْ قَالَ هَذَا، قَالَ: قُلْ، قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُمَرُ، فَكَأَنَّكَ بِمَلَكٍ قَدْ أَتَاكَ، فَاسْتَنْزَلَكَ عَنْ سَرِيرِكِ هَذَا، فَأَخْرَجَكَ مِنْ سَعَةِ قَصْرِكَ إِلَى ضِيقِ قَبْرِكَ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَعْرِضَ لِلَّهِ بِالْمَعَاصِي، فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَتَغَيَّظُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَسُبُّ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: قُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، مَنْ هَذَا الَّذِي تَتَغَيَّظُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَلِمَ تَسْأَلُ عَنْهُ؟ قُلْتُ: لأَضْرِبَ عُنُقَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لأَبِي بَرْزَةَ: لَوْ قُلْتُ لَكَ ذَلِكَ أَكُنْتَ تَفْعَلُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: مَا كَانَ ذَلِكَ لأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.فَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا، وَهُوَ أَنَّ أَحَدًا لَا يجَبُ طَاعَتُهُ فِي قَتْلِ مُسْلِمٍ إِلا بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ حَقٌّ إِلا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرَ إِلا بِحَقٍّ، وَلا يَحْكُمُ إِلا بِعَدْلٍ، وَقَدْ يُتَأَوَّلُ هَذَا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَتْلَ فِي سَبِّ أَحَدٍ إِلا فِي سَبِّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.شرح السنة للبغوي (10/ 44)