فهرس الكتاب
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ السُّلْطَانِ الْمُتَغَلِّبِ وَالْجِهَادِ مَعَهُ وَأَنَّ طَاعَتَهُ خَيْرٌ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقْنِ الدِّمَاءِ وَتَسْكِينِ الدَّهْمَاءِ وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْخَبَرُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يُسَاعِدُهُ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا وَقَعَ مِنَ السُّلْطَانِ الْكُفْرُ الصَّرِيحُ فَلَا تَجُوزُ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ بَلْ تَجِبُ مُجَاهَدَتُهُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا" [1]
وقال الإمام النووي رحمه الله:"قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَنْعَقِدُ لِكَافِرٍ وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ انْعَزَلَ قَالَ وَكَذَا لَوْ تَرَكَ إِقَامَةَ الصَّلَوَاتِ وَالدُّعَاءَ إِلَيْهَا قَالَ وَكَذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمُ الْبِدْعَةُ قَالَ وَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ تَنْعَقِدُ لَهُ وَتُسْتَدَامُ لَهُ لِأَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ قَالَ الْقَاضِي فَلَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ كُفْرٌ وَتَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ أَوْ بِدْعَةٌ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ الْوِلَايَةِ وَسَقَطَتْ طَاعَتُهُ وَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ وَخَلْعُهُ وَنَصْبُ إِمَامٍ عَادِلٍ إِنْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إِلَّا لِطَائِفَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِمُ الْقِيَامُ بِخَلْعِ الْكَافِرِ وَلَا يَجِبُ فِي الْمُبْتَدِعِ إِلَّا إِذَا ظَنُّوا الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ تَحَقَّقُوا الْعَجْزَ لَمْ يَجِبِ الْقِيَامُ وَلْيُهَاجِرِ الْمُسْلِمُ عَنْ أَرْضِهِ إِلَى غَيْرِهَا وَيَفِرَّ بِدِينِهِ" [2]
وقال القاري:"أَيْ كُفْرًا ظَاهِرًا صَرِيحًا فَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا. حِكَايَةُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَالْقَرَائِنُ السَّابِقَةُ مَعْنًى تَلَفَّظَ بِهِ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - وَقَوْلُهُ (عِنْدَكُمْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَقَوْلُهُ (مِنَ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالظَّرْفِ أَوْ حَالٌ مِنَ الْمُسْتَتِرِ فِي الظَّرْفِ (مِنْهُ) أَيْ فِي ظُهُورِ الْكُفْرِ (بُرْهَانٌ) أَيْ دَلِيلٌ وَبَيَانٌ مِنْ حَدِيثٍ أَوْ قُرْآنٍ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ بُرْهَانٌ حَاصِلٌ عِنْدَكُمْ كَائِنًا مِنَ اللَّهِ، أَيْ مِنْ دِينِ اللَّهِ. اهـ"
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ تَجُوزُ الْمُنَازَعَةُ بَلْ يَجِبُ عَدَمُ الْمُطَاوَعَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: بَوَاحًا بِالْوَاوِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالرَّاءِ يُقَالُ: بَاحَ الشَّيْءُ إِذْ ظَهَرَ بَوَاحًا وَالْبَوَاحُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَمْرًا بَوَاحًا وَبَرَاحًا بِمَعْنَاهُ مِنَ الْأَرْضِ وَالْبَرَاحِ وَهِيَ الْبَارِزَةُ وَالْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعَاصِي، وَالْمَعْنَى لَا تُنَازِعُوا وُلَاةَ الْأُمُورِ فِي وِلَايَتِهِمْ وَلَا تَعْتَرِضُوا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ تَرَوْا مِنْهُمْ مُنْكَرًا مُحَقَّقًا تَعْلَمُونَهُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَنْكِرُوهُ عَلَيْهِمْ، وَقُومُوا بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ وَقِتَالُهُمْ فَمُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا فَسَقَةً ظَالِمِينَ وَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ لِتَهَيُّجِ الْفِتَنِ فِي عَزْلِهِ وَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَتَفْرِيقِ ذَاتِ
(1) - فتح الباري لابن حجر (13/ 7)
(2) - شرح النووي على مسلم (12/ 229)