فهرس الكتاب

الصفحة 622 من 1902

بُيُوتِ اللهِ التي أُقِيمَتْ لِعِبَادَة اللهِ تَعَالَى فِيهَا، وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مُنَزَّهَةٌ، يَقُومُ فِيهَا بِعِبَادَتِهِ تَعَالَى رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ يُنَزِّهُونَ الله تَعَالَى فِيهَا وَيُقَدِّسُونَه فِي أَوائِلِ النَّهَارِ (الغُدُوِّ) وَفِي آخِرِهِ (الآصَالِ) .

وَهَؤُلاءِ الرِّجَالُ، الذينَ يَعْمُرُونَ بُيُوتَ اللهِ، هُمُ رِجَالٌ أَصْحَابُ هِمَمٍ وَعَزَائِمَ لاَ يُلْهِيهِمْ شَيءٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وإِقَامِ الصَّلاَةِ: لاَ تِجَارَةٌ، وَلاَ بَيْعٌ، وَلاَ تَشْغَلُهُم الدُّنْيا وَزُخْرُفُهَا، وَزِينَتُها، وَمَلاذُّهَا، وَلاَ بَيْعُها، ولاَ رِبْحُها .. عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الذي عَنْدَ اللهِ خَيْرٌ لَهُمْ وأَنْفَعُ مِمَا بِأَيْدِيهِمْ، وَهُمْ يُقَدِّمُونَ طَاعَةَ رَبِّهِمْ وَمَحَبَّتَه عَلَى مُرَادِهِم وَمَحَبَّتِهِمْ، فَلاَ شَيءَ يُلْهِيهِم عَنْ أَنْ يُؤدُّوا الصَّلاَةَ فِي وَقْتِهَا، لأَنَّهُمْ يَخَافُونَ يَومَ القِيَامَةِ الذي تتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصَارُ مِنْ شِدَّةِ الفَزَعِ، وَعِظَمِ الهَوْلِ.

وَهَؤُلاَءِ هُمُ الذينُ يَتَقَبَّلُ اللهُ تَعَالَى حَسَنَاتِهِمْ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، فَيُضَاعِفُ لَهُمُ الحَسَنَاتِ (وَيَزِيدُهُم مِنْ فَضْلِهِ) ،وَهُوَ تَعَالَى يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَبِدُونَ تَحْدِيدٍ فَهُوَ الكَرِيمُ الجَوَادُ. [1]

والمراد بالبيوت المساجد التي أمر الله تعالى أن ترفع، ورفعها هو بناؤها واحترامها وتطهيرها وتطييبها، وأن تحفظ وتجنب كل ما لا يليق بها كاللهو واللغو والبيع والشراء وإنشاد الضالة أو النجاسات أو البصاق وغيره من الأقذار أو الروائح الكريهة كالبصل ونحوه، فعَنْ قَتَادَةَ: قَوْلُهُ:" {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36] وَهِيَ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ، أَذِنَ اللَّهُ فِي بِنَائِهَا وَرَفْعِهَا، وَأَمَرَ بِعِمَارِتِهَا وَتَطْهِيرِهَا" [2] .

فعن عُبَيْدِ اللهِ الْخَوْلَانِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم:إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى - قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ - بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ «وَقَالَ ابْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ» مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ"أخرجه البخاري ومسلم [3] .

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2709،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - تفسير ابن أبي حاتم، الأصيل - مخرجا (8/ 2605) (14635) صحيح

(3) - صحيح مسلم (1/ 378) 24 - (533) وصحيح البخاري (1/ 97) (450)

(حين بنى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -) أي حين زاد فيه فإنه كان مبنيا]

(مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا) :أَيْ مَعْبَدًا، فَيَتَنَاوَلُ مَعْبَدَ الْكَفَرَةِ فَيَكُونُ لِلَّهِ لِإِخْرَاجِ مَا بَنَى مَعْبَدًا لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ عَلَى بَابِهِ وَيَكُونَ لِلَّهِ لِإِخْرَاجِ مَا بُنِيَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَلِذَا قِيلَ: مَنْ كَتَبَ اسْمَهُ عَلَى بِنَائِهِ دَلَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى عَدَمِ إِخْلَاصِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ ظَاهِرٌ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِكِتَابَةِ اسْمِهِ نَحْوَ الدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ، وَفِيهِ: أَنَّ الدُّعَاءَ وَالتَّرَحُّمَ يَحْصُلُ مُجْمَلًا وَمُبْهَمًا، فَلَا يُحْتَاجُ تَعْيِينٌ إِلَى الِاسْمِ (بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا) :وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ: مِثْلَهُ (فِي الْجَنَّةِ) :قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ فِي (مَسْجِدًا) لِلتَّقْلِيلِ، وَفِي (بَيْتًا) لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لِيُوَافِقَ مَا وَرَدَ: (مَنْ بَنَى لِلَّهِ وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ) الْحَدِيثَ اهـ.

قُلْتُ: وَلِيَكُونَ إِشَارَةً إِلَى زِيَادَةِ الْمَثُوبَةِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً؛ لِئَلَّا يَرِدَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام:160] قَالَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ فِي فَتَاوِيهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيْتًا فَضْلُهُ عَلَى بُيُوتِ الْجَنَّةِ كَفَضْلِ الْمَسْجِدِ عَلَى بُيُوتِ الدُّنْيَا، وَأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مِثْلَهُ فِي مُسَمَّى الْبَيْتِ، وَأَمَّا الصِّفَةُ فِي السَّعَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، كَذَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ عَنِ الْأَزْهَارِ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/ 591)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت