فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 1902

أي واسلك معهم سبيل المشورة التي اتبعتها في هذه الواقعة ودم عليها- فإنهم وإن أخطئوا الرأى فيها، فإن في تربيتهم عليها دون الانقياد لرأى الرئيس وإن كان صوابا نفعا في مستأنف أمرهم ومستقبل حكومتهم ما حافظوا عليها.

فالجماعة أبعد عن الخطإ من الفرد في أكثر الحالات، وما ينشأ من الخطر على الأمة بتفويض أمرها إلى واحد مهما حصف رأيه، أشد من الخطر الذي يترتب على رأى الجماعة.

ولما كانت الاستشارة سبيلا للنزاع ولا سيما إذا كثر المستشارون- أمر الله نبيه أن يقرر هذه السنة عملا، فكان يستشير صحبه بهدوء وسكينة ويصغى إلى كل قول ويرجح رأيا على رأى بما يرى فيه من المصلحة والفائدة بقدر المستطاع.

وقد عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشّورى في حياته، فكان يسيشير السواد الأعظم من المسلمين، ويخص بها أهل الرأى والمكانة في الأمور التي يضر إفشاؤها.

فاستشارهم يوم بدر لما علم بخروج قريش من مكة للحرب ولم يبرم الأمر حتى صرح المهاجرون والأنصار بالموافقة، واستشارهم يوم أحد كما علمت، وهكذا كان يستشيرهم في كل مهمّ ما لم ينزل عليه فيه وحي، فإنه إذ ذاك لا بد من نفاذه، ولم يضع للنبى - صلى الله عليه وسلم - قواعد الشورى، لأنها تختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية، وبحسب الزمان والمكان، ولأنه لو وضع لها قواعد لاتخذها المسلمون دينا وحاولوا العمل بها في كل زمان ومكان، ومن ثم قال الصحابة في اختيار أبى بكر خليفة رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا، إذ أمره بالإمامة في الصلاة حين مرضه أفلا نرضاه لدنيانا؟

ولكن الخلفاء فيما بعد لم يتبعوا هذه السنة، ولا سيما زمن الدولة العباسية، إذ كان للأعاجم سلطان كبير في ملكهم، ثم جرى على ذلك سائر الملوك من المسلمين فيما بعد، وجاراهم على ذلك علماء الدين، حتى ظن كثير من غير المسلمين أن السلطة في الإسلام استبدادية، وأن الشورى اختيارية، ولكن هذا بعيد من الصواب، بعد أن صرح القرآن بالشورى وأمر نبيه بها وهو المعصوم عن الهوى وللشورى فوائد جمة منها:

(1) إنها تبين مقادير العقول والأفهام، ومقدار الحب والإخلاص للمصالح العامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت