فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 1902

والشورى، صورة مقاربة للصلاة من هذا الوجه الذي صورناها به ..

فإذا كان الإنسان خاليا مع رأيه إزاء أمر من الأمور العارضة له، كان له أن يتصرف في هذا الأمر على الوجه الذي يراه بعقله، ويؤديه إليه اجتهاده .. أما إذا دخل مع جماعة المسلمين في أمر عام، وأخذ مكانه بينهم وانتظم رأيه مع آرائهم على طريق سواء، لم يكن له أن يخرج عن هذا الرأى الذي انتظمت وراءه آراؤهم، والذي يتمثل لهم حينئذ في صورة الإمام الذي يأتمون به في الصلاة .. فكما لا يخرج المأموم في الصلاة عن متابعة الإمام، ولا يجوز له أن يستجيب لإرادته في أن بطيل أو يقصّر، في قيام، أو ركوع، أو سجود- كذلك لا يجوز أن يخرج المؤمن عن الرأى الذي اجتمع عليه المسلمون بعد تشاورهم فيه، وإن كان على خلاف ما يرى. فالرأى الذي أجمع عليه المسلمون هنا هو من رأى الإسلام، والسبيل التي يسلكها المسلمون- متابعة لهذا الرأى- هى سبيل الله .. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً» (115:النساء) .

وثالثا: أن الصلاة فريضة عامة، تجب على كل مسلم ومسلمة وجوب عين،- وكذلك التشاور بين المسلمين، أمر ملزم لهم جميعا، وحقّ يؤديه كل مسلم ومسلمة للجماعة الإسلامية، وإنه ليس لأحد أن يحول بين المسلم وبين أخذ مكانه بين الجماعة الإسلامية وإبداء الرأى الذي يراه، في أي أمر يعرض لهم، كما أنه ليس لأحد أن يحول بين المسلم وبين أن يأخذ مكانه في صلاة الجماعة بين الصفوف المنتظمة في الصلاة .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ» .. ففى تنكير الشورى دليل على إطلاقها وعمومها .. وأنها ليست شورى على صفة خاصة معروفة بأهلها .. فكل مسلم ومسلمة أهل للشورى، كما هو أهل للصلاة في جماعة ..

ورابعا: أن الصلاة يجب أن يسبقها من المسلم قبل الدخول فيها إعداد لها، وذلك بالتطهر، والوضوء .. وكذلك الشورى، يجب أن تسبقها طهارة النفس من الهوى، وخلوها من الدخل .. وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف «الدين النصيحة» قيل لمن يا رسول الله؟:قال: «لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» ..

ولن تكون النصيحة نصيحة إلا إذا جاءت من قلب سليم، وعن نية خالصة من الغش والنفاق ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت