فهرس الكتاب

الصفحة 719 من 1902

من التبعة، فدل على أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم، والاتصاف بصفات الكمال.

وأفضل أهل الذكر أهل هذا القرآن العظيم، فإنهم أهل الذكر على الحقيقة، وأولى من غيرهم بهذا الاسم، ولهذا قال تعالى: {وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} أي: القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم ودنياهم الظاهرة والباطنة، {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ} وهذا شامل لتبيين ألفاظه وتبيين معانيه، {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فيه فيستخرجون من كنوزه وعلومه بحسب استعدادهم وإقبالهم عليه. [1]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» متفق عليه [2]

وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ: أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «تُشَاوِرُونَ الْفُقَهَاءَ وَالْعَابِدِينَ، وَلَا تُمْضُوا فِيهِ رَأْيَ خَاصَّةٍ» رواه الطبراني في الأوسط [3]

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:441)

(2) - صحيح البخاري (1/ 31) (100) وصحيح مسلم (4/ 2058) 13 - (2673)

(انتزاعا) محوا من صدور العلماء. (بقبض العلماء) بموتهم. (رؤوسا) جمع رأس وفي رواية (رؤوساء) جمع رئيس والمعنى واحد. (الفريري) هو أحد من سمع الصحيح عن البخاري ورواه عنه]

"إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ":الْمُرَادُ بِهِ عِلْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (انْتِزَاعًا) :مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلَى مَعْنَى يَقْبِضُ نَحْوَ: رَجَعَ الْقَهْقَرَى، وَقَوْلُهُ (يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ) :صِفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلنَّوْعِ كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: انْتِزَاعًا مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ يَعْنِي لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ مِنَ الْعِبَادِ بِأَنْ يَرْفَعَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ) أَيْ: يَرْفَعُهُ (بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ) أَيْ: بِمَوْتِهِمْ وَرَفْعِ أَرْوَاحِهِمْ (حَتَّى) :هِيَ الَّتِي تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ وَهِيَ هُنَا الشُّرَطُ وَالْجَزَاءُ يَعْنِي (إِذَا لَمْ يُبْقِ) :أَيِ: اللَّهُ (عَالِمًا) :بِقَبْضِ رُوحِهِ مِنَ الْإِبْقَاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْقَافِ، وَعَالِمٌ بِالرَّفْعِ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا (اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا) أَيْ خَلِيفَةً وَقَاضِيًا وَمُفْتِيًا وَإِمَامًا وَشَيْخًا" (جُهَّالًا) :جَمْعُ جَاهِلٍ أَيْ جَهَلَةً بِمَا يُنَاسِبُ مَنْصِبَهُ. قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ: ضَبَطْنَاهُ فِي الْبُخَارِيِّ رُءُوسًا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالتَّنْوِينِ جَمْعُ رَأْسٍ، وَضَبَطُوهُ فِي مُسْلِمٍ هُنَا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي رُؤَسَاءُ جَمْعُ رَئِيسٍ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ (فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا) أَيْ: أَجَابُوا وَحَكَمُوا (بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا) أَيْ: صَارُوا ضَالِّينَ (وَأَضَلُّوا) أَيْ مُضِلِّينَ لِغَيْرِهِمْ فَيَعُمُّ الْجَهْلُ الْعَالَمَ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 290)

(3) - المعجم الأوسط (2/ 172) (1618) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت