فهرس الكتاب

الصفحة 727 من 1902

جُنِي عليه أو ظلم واعتدي عليه، فلا يحل له أن يكذب على من كذب عليه، أو يخون من خانه. [1]

وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ وَعَدَاوَتُهُمْ عَلَى أَنْ تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَمَعْنَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْتَدُوا عَلَى أَعْدَائِهِمْ إِنْ صَدُّوهُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَيْ عَنِ النُّسُكِ فِيهِ وَزِيَارَتِهِ، وَلَوْ لِلتِّجَارَةِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ هَذَا قَدْ نَزَلَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ يُتَوَقَّعُ صَدٌّ مِنْ أَحَدٍ، وَبِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ (2:191) وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرْطَ عَلَى مَعْنَى الْمَاضِي بِتَقْدِيرِ الْكَوْنِ، أَيْ: إِنْ كَانُوا صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ وُرُودَ هَذَا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ عَلَى الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، لَا إِشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ قَدْ تُبْنَى عَلَى الْفَرْضِ، وَلِأَنَّ هَذَا الصَّدَّ قَدْ يَقَعُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أُمَرَاءِ مَكَّةَ فِي عَصْرِنَا مِنْ مَنْعِ بَعْضِ الْعَرَبِ كَأَهْلِ نَجْدٍ مِنَ الْحَجِّ لِأَسْبَابٍ دُنْيَوِيَّةٍ ; كَأَخْذِ بَعْضِ أُمَرَاءِ نَجْدٍ الزَّكَاةَ مِنْ بَعْضِ الْقَبَائِلِ الَّذِينَ يَعُدُّهُمْ أُمَرَاءُ مَكَّةَ تَابِعِينَ لَهُمْ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاصْطَادُوا دَاخِلَةً فِي حَيِّزِ شَرْطِهِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: إِنَّ الصَّيْدَ الَّذِي كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْكُمْ حَالَ كَوْنِكُمْ حُرُمًا يَحِلُّ لَكُمْ إِذَا حَلَلْتُمْ، وَأَمَّا الِاعْتِدَاءُ عَلَى مَنْ تُبْغِضُونَهُمْ فَلَا يُبَاحُ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حِلٌّ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، وَإِنْ كَانُوا صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ قَبْلُ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ مِنَ الْجَزَاءِ عَلَى الِاعْتِدَاءِ بِالْمِثْلِ ; لِأَنَّهُ نُهِيَ عَنِ اسْتِئْنَافِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى سَبِيلِ الِانْتِقَامِ، فَإِنَّ مَنْ يَحْمِلُهُ الْبُغْضُ وَالْعَدَاوَةُ عَلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَى مَنْ يُبْغِضُهُ يَكُونُ مُنْتَصِرًا لِنَفْسِهِ لَا لِلْحَقِّ، وَحِينَئِذٍ لَا يُرَاعِي الْمُمَاثَلَةَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الْعَدْلِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا وَلَا مَنْ حَرَّرَ هَذَا الْمَبْحَثَ، وَلَكِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ تَوْجِيهِ النَّهْيِ إِلَى الْمُسَبِّبِ وَإِرَادَةِ السَّبَبِ، كَقَوْلِهِ: لَا أَرَيَنَّكَ هَهُنَا. فَالْمُرَادُ النَّهْيُ عَنِ الْبُغْضِ وَالْعَدَاوَةِ، وَجَعْلِهَا حَاكِمَةً عَلَى النَّفْسِ، حَامِلَةً لَهَا عَلَى الِاعْتِدَاءِ وَالْبَغْيِ، وَلَا يَنْفِي هَذَا أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الِاعْتِدَاءِ - كَالصَّدِّ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - جَزَاءٌ خَاصٌّ يُعْرَفُ بِدَلِيلِهِ. [2]

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:219) وتفسير المراغي (6/ 45)

(2) - تفسير المنار (6/ 106)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت