فهرس الكتاب

الصفحة 754 من 1902

النهي على الأمر باتباع وحي الله يوحي بأن ضغط الكافرين والمنافقين في المدينة وما حولها كان في ذلك الوقت عنيفا، فاقتضى هذا النهي عن اتباع آرائهم وتوجيهاتهم، والخضوع لدفعهم وضغطهم. ثم يبقى ذلك النهي قائما في كل بيئة وكل زمان، يحذر المؤمنين أن يتبعوا آراء الكافرين والمنافقين إطلاقا، وفي أمر العقيدة وأمر التشريع وأمر التنظيم الاجتماعي بصفة خاصة. ليبقى منهجهم خالصا لله، غير مشوب بتوجيه من سواه. ولا ينخدع أحد بما يكون عند الكافرين والمنافقين من ظاهر العلم والتجربة والخبرة - كما يسوغ بعض المسلمين لأنفسهم في فترات الضعف والانحراف - فإن الله هو العليم الحكيم وهو الذي اختار للمؤمنين منهجهم وفق علمه وحكمته: «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً» .. وما عند البشر إلا قشور، وإلا قليل!

والتوجيه الثالث المباشر: «وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» .فهذه هي الجهة التي تجيء منها التوجيهات، وهذا هو المصدر الحقيق بالاتباع. والنص يتضمن لمسات موحية تكمن في صياغة التعبير: «وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» .فالوحي «إِلَيْكَ» بهذا التخصيص. والمصدر «مِنْ رَبِّكَ» بهذه الإضافة. فالاتباع هنا متعين بحكم هذه الموحيات الحساسة، فوق ما هو متعين بالأمر الصادر من صاحب الأمر المطاع .. والتعقيب: «إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» .. فهو الذي يوحي عن خبرة بكم وبما تعملون وهو الذي يعلم حقيقة ما تعملون، ودوافعكم إلى العمل من نوازع الضمير.

والتوجيه الأخير: «وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» .. فلا يهمنك أكانوا معك أم كانوا عليك ولا تحفل كيدهم ومكرهم وألق بأمرك كله إلى الله، يصرفه بعلمه وحكمته وخبرته .. ورد الأمر إلى الله في النهاية والتوكل عليه وحده، هو القاعدة الثابتة المطمئنة التي يفاء إليها القلب فيعرف عندها حدوده، وينتهي إليها ويدع ما وراءها لصاحب الأمر والتدبير، في ثقة وفي طمأنينة وفي يقين.

وهذه العناصر الثلاثة: تقوى الله. واتباع وحيه. والتوكل عليه - مع مخالفة الكافرين والمنافقين - هي العناصر التي تزود الداعية بالرصيد وتقيم الدعوة على منهجها الواضح الخالص. من الله، وإلى الله، وعلى الله. «وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» . [1]

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3579)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت