فهرس الكتاب

الصفحة 760 من 1902

وعَنْ أَبِي السَّوَّارِ العَدَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ:"مَكْتُوبٌ فِي الحِكْمَةِ: إِنَّ مِنَ الحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنَ الحَيَاءِ سَكِينَةً"فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: «أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ» متفق عليه [1]

(1) - صحيح البخاري (8/ 29) (6117) وصحيح مسلم (1/ 64) 60 - (37)

(بشير) العدوي البصري تابعي جليل رحمه الله تعالى. (الحكمة) أي في كتب الحكمة وهي التي تبحث في أحوال وحقائق الموجودات ولعلها ما يسمى الآن بعلم الفلسفة والأخلاق. (وقارا) حلما ورزانة. (سكينة) هدوءا وطمأنينة]

أَيْ: لَا يُغْرِي الْإِنْسَانَ إِلَّا بِخَيْرٍ. وَالْحَيَاءُ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَيُذَمُّ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ يُشْكِلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ صَاحِبَ الْحَيَاءِ قَدْ يَسْتَحِي أَنْ يُوَاجِهَ بِالْحَقِّ مَنْ يُجِلُّهُ وَيُعَظِّمُهُ، فَيَتْرُكُ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ الْحَيَاءُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْحُقُوقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَادَةِ، وَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ: الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ أَنَّ هَذَا الْمَانِعَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ حَيَاءً حَقِيقَةً، بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَخَوْرٌ، وَتَسْمِيَتُهُ حَيَاءً، بِحَسَبِ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ عَنِ السَّيِّدِ الْجَلِيلِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجُنَيْدِ. قَالَ: الْحَيَاءُ رُؤْيَةُ الْآلَاءِ، وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى الْحَيَاءَ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا جُعِلَ الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَخَلُّقًا وَاكْتِسَابًا كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَقَدْ يَكُونُ غَرِيزَةً، وَلَكِنَّ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى اكْتِسَابٍ وَنِيَّةٍ وَعِلْمٍ، وَهَذَا الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: ( «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ» ) .قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ التَّعْرِيفُ فِيهِ عَلَى الْعَهْدِ، وَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم:" «الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى» "الْحَدِيثَ اهـ. وَهُوَ مَعْنًى حَسَنٌ وَقَيْدٌ مُسْتَحْسَنٌ يَزُولُ بِهِ الْإِشْكَالُ السَّابِقُ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي خَيْرٌ كُلُّهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا الْحَيَاءُ مِنَ الْخُلُقِ فَالْغَالِبُ فِيهِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَحْمُودًا، فَالْحَصْرُ ادِّعَائِيٌّ أَوْ كُلُّهُ مَحْمُودٌ إِلَّا إِذَا عَارَضَهُ تَرْكُ الْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ، فَيَتْرُكُ جَانِبَهُ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَيُرَاعِي جَانِبَ الْمَخْلُوقِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الْحَيَاءُ أَنْ لَا يُسَمَّى حَيَاءً فَالْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ: لَهُمَا عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ لَكِنْ فِي الْجَامِعِ أَسْنَدَهَا إِلَى مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ (الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ) :قِيلَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ أَيِ: الْحَيَاءُ عَنْ فِعْلِ مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3172) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت