فهرس الكتاب

الصفحة 783 من 1902

فهذه صورة من الأدب، ومن التحرج، ومن التقوى، التي انتهى إليها المسلمون بعد سماعهم ذلك النداء، وذلك التوجيه، وتلك الإشارة إلى التقوى، تقوى الله السميع العليم. [1]

وأخرج ابن جرير وغيره عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات:1] يَقُولُ: «لَا تَقُولُوا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» [2]

وقال ابن حزم رحمه الله"ونحن لا ننكر المشورة في غير الدين كما أننا ننكر بل نكفر من يشاور أيصلي الخمس أم لا أيصوم رمضان أم لا ونقطع أن مسلما لا يخالفنا في هذا" [3]

فإذا عرضت للإمام مسألة أو نزلت نازلة لا يعرف الحكم الشرعي فيها فعليه أن يعرض المسألة على أهل الشورى، فإذا بين له بعضهم نصا شرعيا في المسألة أخذ به، وإذا لم يبينوا له نصا شرعيا استعرض أقوال أهل الشورى وأخذ أشبهها بالكتاب والسنة، الذي يعتقد أنه هو الحق والصواب وبه تتحقق المصلحة الشرعية، فإن تصرفات الأمير مناطة بالمصلحة الشرعية وبتنفيذ أحكام الله تعالى، ولا يتصرف في سياسات الدولة الداخلية والخارجية بما تشتهيه النفس، والقاعدة الشرعية أن"التصرف على الرعية منوط بالمصلحة" [4]

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:4173)

(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (21/ 335) حسن

(3) - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (6/ 32)

(4) - يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّصَرُّفُ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ لِلْمُسْلِمِينَ، كُلٌّ فِي مَجَالِهِ وَبِحَسَبِ سُلْطَتِهِ. وَفِي ذَلِكَ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ"التَّصَرُّفُ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ"وَبِالتَّفْصِيل مَا يَلِي:

(1) حِفْظُ الدِّينِ عَلَى أُصُولِهِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، فَإِنْ زَاغَ ذُو شُبْهَةٍ عَنْهُ أَوْضَحَ لَهُ الْحُجَّةَ، وَبَيَّنَ لَهُ الصَّوَابَ، وَأَخَذَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ، لِيَكُونَ الدِّينُ مَحْرُوسًا مِنَ الْخَلَل، وَالأُمَّةُ مَمْنُوعَةً مِنَ الزَّلَل.

(2) تَنْفِيذُ الأَحْكَامِ بَيْنَ الْمُتَشَاجِرِينَ وَقَطْعُ الْخِصَامِ بَيْنَهُمْ، حَتَّى تَظْهَرَ النَّصَفَةُ، فَلاَ يَتَعَدَّى ظَالِمٌ وَلاَ يَضْعُفُ مَظْلُومٌ.

(3) حِمَايَةُ الدَّوْلَةِ وَالذَّبُّ عَنِ الْحَوْزَةِ، لِيَتَصَرَّفَ النَّاسُ فِي الْمَعَايِشِ، وَيَنْتَشِرُوا فِي الأَسْفَارِ آمَنِينَ.

(4) إِقَامَةُ الْحُدُودِ، لِتُصَانَ مَحَارِمُ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الاِنْتِهَاكِ، وَتُحْفَظَ حُقُوقُ عِبَادِهِ مِنْ إِتْلاَفٍ وَاسْتِهْلاَكٍ.

(5) تَحْصِينُ الثُّغُورِ بِالْعُدَّةِ الْمَانِعَةِ وَالْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ، حَتَّى لاَ يَظْفَرَ الأَعْدَاءُ بِثُغْرَةٍ يَنْتَهِكُونَ بِهَا مَحْرَمًا، وَيَسْفِكُونَ فِيهَا دَمًا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ.

(6) جِهَادُ مَنْ عَانَدَ الإِسْلاَمَ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَتَّى يُسْلِمَ، أَوْ يَدْخُل فِي الذِّمَّةِ.

(7) قِتَال أَهْل الْبَغْيِ وَالْمُحَارِبِينَ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَتَوْقِيعُ الْمُعَاهَدَاتِ وَعُقُودِ الذِّمَّةِ وَالْهُدْنَةِ وَالْجِزْيَةِ.

(8) تَعْيِينُ الْوُزَرَاءِ، وَوِلاَيَتُهُمْ عَامَّةٌ فِي الأَعْمَال الْعَامَّةِ لِأَنَّهُمْ يُسْتَنَابُونَ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.

(9) تَعْيِينُ الأُمَرَاءِ (الْمُحَافِظِينَ) لِلأَقَالِيمِ، وَوِلاَيَتُهُمْ عَامَّةٌ فِي أَعْمَالٍ خَاصَّةٍ، لِأَنَّ النَّظَرَ فِيمَا خُصُّوا بِهِ مِنَ الأَعْمَال عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأُمُورِ.

(10) تَعْيِينُ الْقُضَاةِ وَأُمَرَاءِ الْحَجِّ، وَرُؤَسَاءِ الْجَيْشِ، وَوِلاَيَتُهُمْ خَاصَّةٌ فِي الأَعْمَال الْعَامَّةِ، لِأَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْصُورٌ عَلَى نَظَرٍ خَاصٍّ فِي جَمِيعِ الأَعْمَال. وَكَذَا تَعْيِينُ الأَئِمَّةِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ، وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ شُرُوطٌ تَنْعَقِدُ بِهَا وِلاَيَتُهُ.

(11) تَقْدِيرُ الْعَطَاءِ وَمَا يُسْتَحَقُّ مِنْ بَيْتِ الْمَال (الْمِيزَانِيَّةُ الْعَامَّةُ) مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ فِيهِ. (1) وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (الإِمَامَةُ الْكُبْرَى) .

(12) اسْتِكْفَاءُ الأُمَنَاءِ، وَتَقْلِيدُ النُّصَحَاءِ فِيمَا يُفَوَّضُ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَعْمَال، وَيَكِلُهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الأَمْوَال، لِتَكُونَ الأَعْمَال مَضْبُوطَةً وَالأَمْوَال مَحْفُوظَةً.

(13) أَنْ يُبَاشِرَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَعْوَانِهِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ مُشَارَفَةَ الأُمُورِ، وَتَصَفُّحَ الأَحْوَال لِيَنْهَضَ بِسِيَاسَةِ الأُمَّةِ.

(14) مُشَاوَرَةُ ذَوِي الرَّأْيِ: وَتُعْتَبَرُ الْمُشَاوَرَةُ مَبْدَأً مِنْ أَهَمِّ الْمَبَادِئِ الإِسْلاَمِيَّةِ، وَقَاعِدَةً مِنْ أَهَمِّ الْقَوَاعِدِ الأَسَاسِيَّةِ فِي الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ. وَقَدْ جَاءَتِ الدَّعْوَةُ إِلَى الشُّورَى صَرِيحَةً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي آيَتَيْنِ مِنْهُ الأُولَى: قَوْله تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} .وَالثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} .الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (6/ 191)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت