فهرس الكتاب
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ:"مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ، وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى"رواه البخاري [1] .
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عُصِمَ بِاللهِ" [2]
(1) - صحيح البخاري (9/ 77) (7198)
مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ)؛أَيْ نَبِيًّا (وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ) ؛أَيْ إِمَامًا بَعْدَهُ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ (إِلَّا كَانَتْ لَهُ) ؛أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (بِطَانَتَانِ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ؛ أَيْ وَزِيرَانِ وَمُشِيرَانِ، مُشَبَّهَانِ بِالْبِطَانَةِ لِمُلَازَمَتِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْفَكَّانِ عَنْ صُحْبَتِهِ، (بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ) ؛أَيْ بِالْخَيْرِ (وَتَحُضُّهُ) بِتَشْدِيدِ الضَّادِ؛ أَيْ تَحُثُّهُ عَلَيْهِ وَتُرَغِّبُهُ إِلَيْهِ وَتُحَسِّنُهُ لَدَيْهِ (وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ؛ أَيْ بِالْمُنْكِرِ(وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ) ؛أَيْ تُحَرِّضُهُ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو نَبِيٌّ، أَوْ مَنْ يَخْلُفُ مَكَانَهُ مِنْ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَوْ جَمَاعَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ فِي الرَّأْيِ؛ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي جُلَسَاءِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، (وَالْمَعْصُومُ) ؛أَيْ مِنَ النَّبِيِّ وَالْخَلِيفَةِ (مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ) ؛أَيْ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِّ وَقَبُولِ كَلَامِهِ، وَالتَّوْفِيقِ بِمُتَابَعَةِ الْخَيْرِ وَقَضَاءِ مَرَامِهِ، وَالْمَعْصُومُ مِنَ الْبِطَانَتَيْنِ مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّرِّ وَوَفَّقَهُ لِلْخَيْرِ. هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ بِطَانَةُ الرَّجُلِ صَاحِبُ سِرِّهِ وَدَاخِلَةُ أَمْرِهِ، الَّذِي يُشَاوِرُهُ فِي أَحْوَالِهِ، الْكَشَّافُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} [آل عمران:118] بِطَانَةُ الرَّجُلِ؛ ذُو وَلِيجَتِهِ وَخَصِيصُهُ، وَصَفِيِّهُ الَّذِي يُفْضِي إِلَيْهِ بِحَوَائِجِهِ ثِقَةً بِهِ، شُبِهَ بِبِطَانَةِ الثَّوْبِ، كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ شِعَارِيٌّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: الْبِطَانَةُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، قَدْ تُتَصَوَّرُ فِي بَعْضِ الْخُلَفَاءِ، وَلَكِنَّهَا مُنَافِيَةٌ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَيْفَ لَا وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَامَّةَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ، قُلْتُ: الْوَجْهُ مَا رَوَى الْأَشْرَفُ عَنْ بَعْضِهِمْ؛ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَحَدِهِمَا الْمَلَكُ، وَبِالثَّانِي الشَّيْطَانُ، وَيُرِيدُهُ قَوْلُهُ: وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:" «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ» ".أَقُولُ: وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ «حَدِيثِ أَبِي الْهَيْثَمِ، وَضِيَافَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي حَائِطٍ لَهُ مِنْ ذَبْحِ الْغَنَمِ وَإِحْضَارِ الرُّطَبِ وَالْمَاءِ الْعَذْبِ إِلَى أَنْ قَالَ - صلى الله عليه وسلم:"هَلْ لَكَ خَادِمٌ"قَالَ لَا"قَالَ: فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا"فَأُتِيَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اخْتَرْ مِنْهُمَا"فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ اخْتَرْ لِي فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ فَخُذْ هَذَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا"فَانْطَلَقَ بِهِ أَبُو الْهَيْثَمِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛إِلَّا أَنْ تُعْتِقَهُ، قَالَ: فَهُوَ عَتِيقٌ، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السُّوءِ فَقَدْ وُقِيَ» ".مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2405)
(2) - السنن الكبرى للنسائي (7/ 190) (7777) صحيح
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: تَأَمَّلْنَا هَذِهِ الْآثَارَ لِنَقِفَ عَلَى مَا أُرِيدَ بِهَا إِنْ شَاءَ اللهُ , فَكَانَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم:"مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ , وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ"عَلَى مَا ذُكِرَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ تَيْنِكَ الْبِطَانَتَيْنِ بِمَا ذَكَرَهُمَا بِهِ فِيهِمَا مِنْ حَمْدٍ وَغَيْرِهِ. فَوَجَدْنَا الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى مَا أُرْسِلُوا بِهِ إِلَيْهِمْ , فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِتْيَانِهِمْ إِيَّاهُمْ , وَخِلْطَتِهِمْ بِهِمْ حَتَّى يَكُونُوا بِذَلِكَ بَطَائِنَ لَهُمْ , وَتَسْتَعْمِلُ الْأَنْبِيَاءُ فِي ذَلِكَ فِي أُمُورِهِمْ مَا يَقِفُونَ عَلَيْهِ مِنْهَا , فَيَحْمَدُونَ فِي ذَلِكَ مَنْ يَقِفُونَ عَلَى مَنْ يَجِبُ حَمْدُهُ بِظَاهِرِهِ , فَيُقَرِّبُونَهُ مِنْهُمْ , وَيَعُدُّونَهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ , وَيُبَاعِدُونَ مِنْهُمْ مَنْ يَقِفُونَ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يَحْمَدُونَهُ مِنْهُمْ , وَيَعُدُّونَهُ مِنْ أَعْدَائِهِمْ , وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُبْطِنُ مِمَّنْ يُعَرِّفُونَهُ مِنْ حَمْدٍ وَمِنْ ذَمٍّ , ثُمَّ يُوقِفُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْبِيَاءَهُ عَلَى مَا يُوقِفُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ بَاطِنِهِمْ , كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ... } [التوبة:101] الْآيَةَ. فَهَذِهِ الْبِطَانَةُ الْمَذْمُومَةُ الَّتِي لَا تَأْلُو مَنْ هِيَ مَعَهُ خَبَالًا. وَالْبِطَانَةُ الْأُخْرَى هِيَ الَّتِي يُوقِفُهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى ضَدِّهَا , وَعَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ لِنَبِيِّهَا , كَمَا أَوْقَفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَا أَوْقَفَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ تَعْزِيرِهِمْ إِيَّاهُ , وَنُصْرَتِهِمْ لَهُ , وَاتِّبَاعِهِمْ لِمَا يَجِبُ أَنْ يُتَّبَعَ بِهِ , كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:157] وَكَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي صِفَاتِهِمْ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:29] ثُمَّ وَصَفَهُمْ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ الَّتِي أُنْزِلَ ذَلِكَ فِيهَا. فَهَاتَانِ الْبِطَانَتَانِ هُمَا الْبِطَانَتَانِ اللَّتَانِ كَانَتَا مَعَ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - , وَكَذَلِكَ الْبَطَائِنُ اللَّاتِي كُنَّ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَهُ. ثُمَّ تَأَمَّلْنَا قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم:"وَهُوَ مِنَ الْغَالِبَةِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا"فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَنَا , وَاللهُ أَعْلَمُ , مِمَّا يَرْجِعُ إِلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ , لَا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ مَعْصُومُونَ , لَا يَكُونُونَ مَعَ مَنْ لَا تُحْمَدُ خَلَائِقُهُ وَلَا مَذَاهِبُهُ. فَقَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْتَ وَإِنَّمَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ رُجُوعُ الْكَلَامِ عَلَى مَنْ ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَمِمَّنْ سِوَاهُمْ؟
فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ: أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ , خُوطِبَ بِهِ قَوْمٌ عَرَبٌ يَعْقِلُونَ مَا أَرَادَ بِهِ مُخَاطِبُهُمْ , وَالْعَرَبُ قَدْ تُخَاطِبُ بِمِثْلِ هَذَا عَلَى جَمَاعَةٍ ثُمَّ تَرُدُّهُ إِلَى بَعْضِهِمْ دُونَ بَقِيَّتِهِمْ , فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام:130] فَكَانَ الْخِطَابَ فِي ذَلِكَ بِذِكْرِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ , وَمَعْقُولٌ أَنَّ الرُّسُلَ مِنَ الْإِنْسِ لَا مِنَ الْجِنِّ , وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ:"بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا"وَقَرَأَ آيَةَ الْمُمْتَحِنَةِ وَفِيهَا الشِّرْكُ , وَالسَّرِقَةُ , وَالزِّنَا , وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ} [الممتحنة:12] وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِيمَا بَعْدُ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا , إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَفِيهِ:"فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ"وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَنْ عُوقِبَ بِالشِّرْكِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ كَفَّارَةً. وَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم:"فَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا"إِنَّمَا هُوَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي فِي الْآيَةِ لَا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي فِيهَا. فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا:"وَهُوَ مِنَ الَّتِي تَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا"يَرْجِعُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ , لَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ , صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمُ , الَّذِينَ لَا يَكُونُ مِنْهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ. فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ جَمِيعُ مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنَ الْمَعَانِي الْمُشْكِلَاتِ فِيهَا بِحَمْدِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ , وَإِيَّاهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ"شرح مشكل الآثار (5/ 359) "