فهرس الكتاب
هكذا من عالم الغيب، وأخرجت لهم من حيث لا يتوقعون .. من صحراء مجدبة قفر، ومن مجتمع أمّى غارق في الجهالة!،فقادت ركب الإنسانية، وحررتها من قيود العبودية والظلم.
هذا هو مكاننا- أمة الإسلام- الذي ندبنا الله له، وأحلّنا فيه، وأقامنا عليه ..
وإنه لن يزحزحنا عن هذا المقام زمان، ولن يحتله مكاننا أحد .. وإننا- أمة الإسلام- على أي حال كنّا، وفى أسوأ وجود لنا- خير أمة أخرجت للناس!.
وإن ميزاننا مهما خفّ في هذه الحياة فهو أثقل من ميزان أية أمة، وإن بدا في ظاهرها أنها أقوى قوة، أو أكثر مالا، وأعزّ نفرا!.
ذلك ما ينبغى أن نؤمن به إيمانا راسخا كإيماننا بالله .. وإلا كنا مكذبين بآياته، منكرين، أو منتكرين لكتابه! إننا- أمة الإسلام- أشبه بالذهب، بين المعادن الأخرى .. قيمته دائما فيه، حتى ولو علا بريقه التراب، وغبّر وجهه دخان الزمن .. إنه الذهب على أي حال.
فليكن ذلك شعورنا بأنفسنا، وإيماننا بمكانتنا في هذه الحياة .. ثم ليكن منّا ما يقابل هذا الشعور، وذلك الإيمان، من جدّ، ومن تحصيل لكل معانى الإنسانية الكريمة، ومثلها الرفيعة، فذلك هو الذي يحقق كل معانى الخيرية فينا، ويعرض للناس وللحياة أكمل الكمال منّا ..
ومع هذا، فإنه لن ينزع عنا هذا الفضل الذي فضل الله به على هذه الأمة ما يلمّ بنا من ضعف أو يعرض لنا من فتور، أو يقع في محيطنا من انحراف .. فتلك كلها عوارض لا تمسّ الصميم منا، ولا تنقض حكم الله لنا .. فنحن- على أية حال نكون عليها- «خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» .
ولسنا بهذا ندعى ما يدّعيه اليهود لأنفسهم من أنهم «شعب الله المختار» .
فنحن شاء، واليهود شاء. نحن تلقّينا كرامة الله وفضله .. واليهود رموا بغضب الله ولعنته!!
ذلك أن الله سبحانه، أفاض على اليهود من أفضاله، ومنحهم من نعمه ما لم يمنحه أحدا من العالمين .. امتحانا وابتلاء. فلما مكروا بآيات الله، وعصوا رسله، وقتلوا من قتلوا من أنبيائه، وأعنتوا من أعنتوا منهم- أخذهم الله بالبأساء والضرّاء، وساق إليهم نقمه، وشملهم بسخطه، وصبّ عليهم لعنته- وفى هذا يقول الله تعالى فيهم: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ» (13:المائدة) .