فهرس الكتاب
المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَيْنَهُمْ أُخُوَّةٌ، وَمَوَدَّةٌ، وَتَعَاوُنٌ، وَتَرَاحُمٌ، وَيَتَّصِفُونَ بِالصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ التِي يَأْمُرُهُمْ بِهَا دِينُهُمْ: فَيَتَنَاصَرُونَ وَيَتَعَاضَدُونَ وَيَفْعَلُونَ الخَيْرَ، وَيَأْمُرُونَ بِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَنِ المُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ، وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤَدُّونَهَا حَقَّ أَدَائِهَا، وَيُؤَدُّونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا، وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَمَرَ، وَيَتْرُكُونَ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ. وَالمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الطَّيِّبَةِ الْكَرِيمَةِ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ عَزِيزُ الجَانِبِ، يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي قِسْمَتِهِ الصِّفَاتِ بَيْنَ خَلْقِهِ، فَجَعَلَ المُؤْمِنِينَ يَخْتَصُّونَ بِالصِّفَاتِ الحَمِيدَةِ، وَالمُنَافِقِينَ يَخْتَصُّونَ بِالصِّفِاتِ الذَمِيمَةِ المُنْكَرَةِ. [1]
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبيل النجاة من عذاب الله تعالى في الدنيا والآخرة، وقد قال الله عز وجل: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) } [هود:116،117]
لَقَدْ كَانَ مِنَ الوَاجِبِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ التِي أَهْلَكَهَا اللهُ بِظُلْمِهَا، جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أُولُو عَقْلٍ، وَرَأيٍ، وَصَلاحٍ، يَنْهَوْنَ المُفْسِدِينَ عَنِ الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، وَيَأخُذُونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ لِكَيْلاَ يَنْزِلَ بِهِمْ عَذَابُ اللهِ، لأَنَّ مِنْ سُنَّةِ اللهِ أَنْ لاَ يُهْلِكَ قَوْماً إِلاَّ إِذَا عَمَّ الفَسَادُ وَالظُّلْمُ أَكْثَرَهُمْ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ هَؤُلاَءِ الأَقْوَامِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ قِلَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَكْثَرَهُمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ الذِينَ لاَ يُؤْخَذُ بِرَأْيهِمْ، وَلاَ تُسْمَعُ كَلِمَتُهُمْ، وَلا يُقْبَلُ أَمْرُهُمْ وَنَهْيُهُمْ. أَمَّا الأَكْثَرُونَ فَكَانُوا مِنَ الظَّالِمِينَ المُسْتَكْبِرِينَ المُعَانِدِينَ، فَأَصَرُّوا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَاتَّبَعُوا حَيَاةَ التَّرَفِ وَالفَسَادِ، فَحَالَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الانْتِفَاعِ بِدَعْوَةِ الحَقِّ، فَبَطَرُوا وَاسْتَكْبَرُوا، وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَقَدْ أَغْرَقُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الجَرَائِمِ التِي وَلَّدَهَا النَّعِيمُ وَالتَّرَفُ، وَاسْتَسْلَمُوا لَهَا، وَلِذَلِكَ رَجَّحُوا مَا أَتَوا بِهِ عَلى اتِّبَاعِ الرُّسُلِ وَطَاعَةِ اللهِ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ.
لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَلاَ مِنْ عَدْلِهِ فِي خَلْقِهِ، أَنْ يُهْلِكَ القُرَى بِشِرْكِ أَهْلِهَا، مَا دَامُوا مُصْلِحِينَ فِي أَعْمَالِهِم الاجْتِمَاعِيَّةِ، وَالعُمْرَانِيَّةِ وَالمَدَنِيَّةِ، فَلاَ يَبْخَسُونَ النَّاسَ حُقُوقَهُمْ، وَلاَ يَبْطِشُونَ بِالنَّاسِ، وَلاَ يُذِلُّونَ لِمُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ كَقَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَلاَ يَرْتَكِبُونَ الفَوَاحِشَ وَلاَ يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَلاَ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1307،بترقيم الشاملة آليا)