يَقُولُ: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، لَقَدْ قَالَ لَنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» رواه البخاري ومسلم [1] .
فإيجاد البديل الصالح النافع وتأليف قلوب الناس بشيء من مباحات الدنيا، والإحسان إليهم بجميع أنواع الإحسان، والعناية بحاجاتهم، وإصلاح أحوالهم، وسبل عيشهم، كل ذلك يساعد على تسكينهم وسرعة استجابتهم وتركهم للمنكرات التي ألفوها واعتادوا عليها، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ لَهُ: يَا أَبَةِ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَمْضِيَ لِمَا تُرِيدُ مِنَ الْعَدْلِ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ أُبَالِي وَلَوْ غَلَتْ بِي وَبِكَ الْقُدُورُ فِي ذَلِكَ قَالَ: «يَا بُنَيَّ إِنَّمَا أَنَا أُرَوِّضُ النَّاسَ
(1) - صحيح البخاري (7/ 3) (5065) وصحيح مسلم (2/ 1018) 1 - (1400)
[ش (بكرا) امرأة لم يسبق لها أن تزوجت. (تذكركم ما كنت تعهد) من نفسك من حيوية ونشاط]
يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ») بِفَتْحِ الشِّينِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ شَابٍّ، وَهُوَ مَنْ بَلَغَ وَلَمْ يَتَجَاوَزْ ثَلَاثِينَ، وَالْمَعْشَرُ هُمُ الطَّائِفَةُ الَّذِينَ يَشْمَلُهُمْ وَصْفٌ كَالشَّبَابِ وَالشَّيْخُوخَةِ وَالْبُنُوَّةِ ( «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ» ) بِالْمَدِّ وَالْهَاءِ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الشَّهِيرَةُ الصَّحِيحَةُ، وَالثَّانِيَةُ بِلَا مَدٍّ، وَالثَّالِثُ بِالْمَدِّ بِلَا هَاءٍ، وَالرَّابِعَةُ بِهَاءَيْنِ بِلَا مَدٍّ، وَهِيَ الْبَاهَةُ. وَمَعْنَاهَا الْجِمَاعُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَاهِ الْمُنْزَّلِ، ثُمَّ قِيلَ لِعَقْدِ النِّكَاحِ بَاهٌ، لِأَنَّ مَنْ تَزَوُّجَ امْرَأَةً بَوَّأَهَا مَنْزِلًا، وَفِيهِ حَذْفٌ مُضَافٌ أَيْ: مُؤْنَةُ الْبَاءَةِ مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ:"وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ - صلى الله عليه وسلم:"وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ"عَطْفٌ عَلَى"مَنِ اسْتَطَاعَ"وَلَوْ حَمَلَ الْبَاءَةَ عَلَى الْجِمَاعِ لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُهُ: قَالَ الصَّوْمُ لَهُ وِجَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالَ لِلْعَاجِزِ هَذَا، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إِذَا قِيلَ: أَيْهَا الْقَادِرُ الْمُتَمَكِّنُ مِنَ الشَّهْوَةِ إِنْ حَصَلَتْ لَكَ مُؤَنُ النِّكَاحِ تَزَوَّجْ وَإِلَّا فَصُمْ، وَلِهَذَا السِّرِّ خَصَّ النِّدَاءَ بِالشُّبَّانِ (فَلْيَتَزَوَّجْ) قِيلَ: الْأَمْرُ فِيهِ لِلْوُجُوبِ، لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ التَّوَقَانِ بِإِشَارَةِ قَوْلِهِ:"يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ"فَإِنَّهُمْ ذُو التَّوَقَانِ عَلَى الْجِبِلَّةِ السَّلِيمَةِ (فَإِنَّهُ) أَيْ: التَّزَوُّجَ (أَغَضُّ لِلْبَصَرِ) أَيْ: أَخْفَضُ وَأَدْفَعُ لِعَيْنِ الْمُتَزَوِّجِ عَنِ الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَضِّ طَرْفِهِ أَيْ: خَفْضِهِ وَكَفِّهِ (وَأَحْصَنُ) أَيْ: أَحْفَظُ (لِلْفَرْجِ) أَيْ: عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أَيْ: مُؤَنُ الْبَاءَةِ ( «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» ) قِيلَ: هُوَ مِنْ إِغْرَاءِ الْغَائِبِ، وَبِتَقْدِيمِ قَوْلِهِ:" «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ» "صَارَ كَالْحَاضِرِ، وَقِيلَ: الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ: فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَالْحَدِيثُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ لَا الْأَمْرِ، وَقِيلَ: مِنْ إِغْرَاءِ الْمُخَاطَبِ أَيْ أَشِيرُوا عَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، (فَإِنَّهُ) أَيْ: الصَّوْمُ (لَهُ) أَيْ: لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجِمَاعِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّزَوُّجِ لِفَقْرِهِ (وِجَاءٌ) بِالْكَسْرِ بِالْمَدِّ أَيْ: كَسْرٌ لِشَهْوَتِهِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ رَضُّ الْخُصْيَتَيْنِ وَدَقُّهُمَا لِتَضْعُفَ الْفُحُولَةُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّوْمَ يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ وَيَدْفَعُ شَرَّ الْمَنِيِ كَالْوِجَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: فَعَلَيْهِ بِالْجُوعِ، وَقِلَّةِ مَا يَزِيدُ فِي الشَّهْوَةِ وَطُغْيَانِ الْمَاءِ مِنَ الطَّعَامِ، فَعَدَلَ إِلَى الصَّوْمِ إِذْ مَا جَاءَ بِمَعْنَى عِبَادَةٍ هِيَ بِرَأْسِهَا مَطْلُوبَةٌ، وَلِيُؤْذَنَ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ نَفْسِ الصَّوْمِ الْجُوعُ وَكَسْرُ الشَّهْوَةِ، وَكَمْ مِنْ صَائِمٍ يَمْتَلِئُ مِعًى اه. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ فِيهِ هَذَا السِّرُّ وَالنَّفْعُ لِهَذَا الْمَرَضِ، وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ كَثِيرًا إِذَا كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَلِأَنَّ الْجُوعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَالشِّبَعَ فِي بَعْضِهَا لَيْسَ كَالشِّبَعِ الْمُسْتَمِرِّ فِي تَقْوِيَةِ الْجِمَاعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 2041) "