وعَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ؛ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيّ: يَا ابْنَ آدَمَ لَا غِنَى بِكَ عَنْ نَصِيبِكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ إِلَى نَصِيبِكَ مِنَ الْآخِرَةِ أَفْقَرُ، وَالَّذِي نَفْسُ الْحَسَنِ بِيَدِهِ؛ مَا أَصْبَحَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ مُؤْمِنٌ إِلَّا وَقَدْ أَصْبَحَ مَهْمُومًا حَزِينًا، وَلَيْسَ لِمُؤْمِنٍ رَاحَةٌ دُونَ اللهِ، النَّاسُ مَا دَامُوا فِي عَافِيَةٍ مَسْرُورِينَ، فَإِذَا نَزَلَ الْبَلَاءُ؛ صَارُوا إِلَى حَقَائِقِهِمْ؛ فَصَارَ الْمُؤْمِنُ إِلَى إِيمَانِهِ وَالْمُنَافِقُ إِلَى نِفَاقِهِ، فَسَارِعُوا إِلَى رَبِّكُمْ؛ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هِمَّتِهِ. [1]
ومع إصلاح أحوال الناس في أمور دينهم، يجب على الحكومة الإسلامية إصلاح أحوال الناس في شؤون دنياهم ومعاشهم، وقد قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف:32]
يَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ حَرَّمَ شَيْئاً مِنَ المَآكِلِ، وَالمَلاَبِسِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، مِنْ غَيْرِ شَرْعٍ مِنَ اللهِ، فَيَقُولُ لِنَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم:قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهؤلاَءِ المُشْرِكينَ: مَنْ حَرَّمَ مَا خَلَقَ اللهُ لِعِبَادِهِ مِنْ أَسْبَابِ الزِّيْنَةِ، وَمِنْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ؟ فَهذِهِ الطَّيِّبَاتُ وَالزِّينَةُ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَإِنْ شَركَهُمْ فِيها الكُفَّارُ فِي الدُّنْيا، وَهِيَ خَالِصَةٌ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ، لاَ يَشْرَكُهُمُ الكُفَّارُ فِي شَيءٍ مِنْها. وَهكَذَا يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى آيَاتِهِ وَيَشْرَحُهَا لِمَنْ يَعْقِلُونَ مِنَ النَّاسِ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ مَالِكُ المُلْكِ وَبِيَدِهِ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ. [2]
هو إغراء بالتنعم بنعم الله، والتجمل بها، وأخذ حاجة النفس منها .. ثم هو إنكار على من يأخذون على أنفسهم أو على الناس الطريق إلى نعم الله، ويزهدونهم فيها، أو يحرمونهم منها .. فلمن إذن هذه النعم؟
والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» .. ويقول سبحانه هنا في هذه الآية: «هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» أي
(1) - المجالسة وجواهر العلم (5/ 109) (1917) صحيح
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:987،بترقيم الشاملة آليا)