فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 537

مَثَلٌ لِمَا كَانَتْ فِي شَرَائِعِهِمْ مِنْ الْأَشْيَاءِ الشَّاقَّةِ كَجَزْمِ الْحُكْمِ بِالْقِصَاصِ عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ أَوْ خَطَأً، وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ الْخَاطِئَةِ، أَوْ قَرْضِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَتْ فِي الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ، فَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى غَيْرِنَا، وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْنَا تَوْسِعَةً وَتَخْفِيفًا شَابَهَتْ الرُّخْصَةَ فَسُمِّيَتْ بِهَا لَكِنْ لَمَّا كَانَ السَّبَبُ مَعْدُومًا فِي حَقِّنَا وَالْحُكْمُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ أَصْلًا لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا فَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا أَصْلًا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ تَسْمِيَتِهِ رُخْصَةً وَعَلَى كَوْنِهِ مَجَازًا كَامِلًا لَا حَقِيقَةً، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ كَانَ مَشْرُوعًا، فَلَمْ يَبْقَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَدٍ بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَخِيرِ، فَإِنَّ الْعَزِيمَةَ فِيهَا بَقِيَتْ مَشْرُوعَةً فِي الْجُمْلَةِ وَبِخِلَافِ مَا إذَا حُرِّمَ الصَّوْمُ عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ التَّلَفَ، فَإِنَّهُ صَارَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ فِي حَقِّهِ لَا غَيْرُ. (قَوْلُهُ: فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَقَطَ كَانَ مَجَازًا) . فَإِنْ قُلْت: فَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَيْضًا سَقَطَ الْحُكْمُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَجَازًا. قُلْت: لَا تَرَاخِيَ بِعُذْرٍ فَالْمُوجِبُ قَائِمٌ وَالْحُكْمُ مُتَرَاخٍ وَهَاهُنَا الْحُكْمُ سَاقِطٌ بِسُقُوطِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ مَحَلَّ الرُّخْصَةِ إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ مَشْرُوعًا فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ أَيْ النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا أَصْلًا فَكَانَ كَامِلًا فِي الْمَجَازِيَّةِ بَعِيدًا عَنْ الْحَقِيقَةِ. (قَوْلُهُ: كَقَوْلِ الرَّاوِي) {نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَرَخَّصَ فِي السَّلَمِ} ، فَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَيْنِيَّةَ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ فِي السَّلَمِ حَتَّى يَفْسُدَ السَّلَمُ فِي الْمُعَيَّنِ كَانَتْ الرُّخْصَةُ مَجَازًا، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَيْنِيَّةَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْبَيْعِ فِي الْجُمْلَةِ كَانَ لَهُ شَبَهٌ بِحَقِيقَةِ الرُّخْصَةِ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ أَنْ يُلَاقِيَ عَيْنًا) لِتَتَحَقَّقَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ {وَلِأَنَّهُ عليه السلام نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ} وَعَنْ {بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ} فَفِي هَذَا بَيَانٌ لِكَوْنِهِ السَّلَمَ حُكْمًا غَيْرَ أَصْلِيٍّ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهِ رُخْصَةً، وَإِنَّمَا لَمْ يَبْقَ التَّعْيِينُ فِي السَّلَمِ مَشْرُوعًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْعَجْزِ عَنْ التَّعْيِينِ وَإِلَّا لَبَاعَهُ مُسَاوَمَةً مِنْ غَيْرِ وَكْسٍ فِي الثَّمَنِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ) حَالَ الِاضْطِرَارِ، فَإِنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَالْحُرْمَةُ سَاقِطَةٌ إلَّا أَنَّهُ حَرَامٌ رُخِّصَ فِيهِ بِمَعْنَى تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ إبْقَاءً لِلْمُهْجَةِ كَمَا فِي إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَأَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ أَمَّا فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَلِأَنَّ النَّصَّ الْمُحَرِّمَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا حَالَ الِاضْطِرَارِ لِكَوْنِهَا مُسْتَثْنَاةً فَبَقِيَتْ مُبَاحَةً بِحُكْمِ الْأَصْلِ وَبِمِثْلِ قوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} بَلْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ يَكُونُ النَّصُّ دَالًّا عَلَى عَدَمِ حُرْمَتِهَا عِنْدَ الِاضْطِرَارِ وَذَلِكَ أَنَّ قوله تعالى: {إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ} اسْتِثْنَاءٌ وَإِخْرَاجٌ عَنْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي حَرَّمَ أَيْ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ الْأَشْيَاءَ الَّتِي حَرَّمَ أَكْلَهَا إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرَّمْ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُفَرَّغًا عَلَى أَنَّ"مَا"فِي"مَا اُضْطُرِرْتُمْ"مَصْدَرِيَّةٌ وَضَمِيرُ إلَيْهِ عَائِدٌ إلَى مَا حَرَّمَ أَيْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي حَالِ اضْطِرَارِكُمْ إلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا حَرَّمَ لِيَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ إخْرَاجًا عَنْ حُكْمِ التَّفْصِيلِ لَا عَنْ حُكْمِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ الْأَحْكَامِ لَا الْإِخْبَارُ عَنْ عَدَمِ الْبَيَانِ. لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَيْضًا مُبَاحًا لقوله تعالى: {إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ إلْزَامِ الْغَضَبِ لَا مِنْ التَّحْرِيمِ فَغَايَتُهُ أَنْ يُفِيدَ نَفْيَ الْغَضَبِ عَلَى الْمُكْرَهِ لَا عَدَمَ الْحُرْمَةِ. فَإِنْ قُلْت: ذِكْرُ الْمَغْفِرَةِ فِي قوله تعالى: فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت