رَحِيمٌ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْحُرْمَةَ بَاقِيَةٌ، وَأَنَّ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْإِثْمُ وَالْمُؤَاخَذَةُ. قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْمَغْفِرَةِ بِاعْتِبَارِ مَا يَقَعُ مِنْ تَنَاوُلِ الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ إبْقَاءُ الْمُهْجَةِ إذْ يُعْتَبَرُ عَلَى الْمُضْطَرِّ رِعَايَةُ قَدْرِ الْإِبَاحَةِ، وَأَمَّا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ فَلِأَنَّ حُرْمَتَهَا لِصِيَانَةِ الْعَقْلِ أَيْ الْقُوَّةِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ، وَلَا يَبْقَى ذَلِكَ عِنْدَ فَوَاتِ النَّفْسِ أَيْ الْبِنْيَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ لِفَوَاتِ الْقُوَى الْقَائِمَةِ بِهَا عِنْدَ فَوَاتِهَا وَانْحِلَالِ تَرْكِيبِهَا، وَإِنْ كَانَتْ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ الَّتِي هِيَ الرُّوحُ بَاقِيَةً وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رحمه الله تعالى أَنَّ حُرْمَةَ الْمَيْتَةِ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ عَنْ تَغَذِّي خَبَثِ الْمَيْتَةِ لقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ} ، فَإِذَا خَافَ بِالِامْتِنَاعِ فَوَاتَ النَّفْسِ لَمْ يَسْتَقِمْ صِيَانَةُ الْبَعْضِ بِفَوَاتِ الْكُلِّ إذْ فِي فَوَاتِ الْكُلِّ فَوَاتُ الْبَعْضِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّفْسِ أَوَّلًا الْبَدَنَ وَثَانِيًا الْمَجْمُوعَ الْمُرَكَّبَ مِنْ الْبَدَنِ وَالرُّوحِ وَبِفَوَاتِهَا مُفَارَقَةُ الرُّوحِ وَانْحِلَالَ تَرْكِيبِ الْبَدَنِ. (قَوْلُهُ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه) الرَّاوِي هُوَ عَلِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ الْوَالِبِيُّ قَالَ سَأَلْت عُمَرَ رضي الله تعالى عنه مَا بَالُنَا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَلَا نَخَافُ شَيْئًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنْ خِفْتُمْ} فَقَالَ أَشْكَلَ عَلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْك فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم فَقَالَ {إنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ} فَقَوْلُهُ: هَذِهِ إشَارَةٌ إلَى الصَّلَاةِ الْمَقْصُورَةِ، أَوْ إلَى قَصْرِ الصَّلَاةِ وَالتَّانِيثُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ صَدَقَةً وَقَوْلُهُ: فَاقْبَلُوا مَعْنَاهُ اعْمَلُوا بِهَا وَاعْتَقِدُوهَا كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ قَبِلَ الشَّرَائِعَ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْوَاحِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ إلَى يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ قَالَ قُلْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله تعالى عنه فِيمَ إقْصَارُ النَّاسِ الصَّلَاةَ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، وَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ؟، فَقَالَ عَجِبْت مِنْهُ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وسلم فَقَالَ {هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ} ، ثُمَّ إنَّ سُؤَالَ عُمَرَ رحمه الله تعالى وَتَعَجُّبَهُ وَإِشْكَالَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا سَأَلَ لِكَوْنِ الْعَمَلِ وَاقِعًا عَلَى خِلَافِ مَا فَهِمَهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ السُّؤَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ اسْتِصْحَابَ وُجُوبِ الْإِتْمَامِ لَا عَلَى أَنَّهُ مَفْهُومٌ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَالْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى لَمْ يَرْضَ رَاسًا بِرَاسٍ حَتَّى جَعَلَ سُؤَالَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه دَلِيلًا عَلَى أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ إذْ لَوْ كَانَ دَالًّا عَلَيْهِ لَفَهِمَهُ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِلسُّؤَالِ بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ الْعَمَلِ عَلَى خِلَافِ مَا فَهِمَهُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ سِيَاقُ الْقِصَّةِ، وَكَذَا اسْتِدْلَالُهُ بِالْآيَةِ أَيْضًا ضَعِيفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ إنَّمَا يَكُونُ إذَا لَمْ تَظْهَرْ لَهُ فَائِدَةٌ أُخْرَى مِثْلُ الْخُرُوجِ مَخْرَجَ الْغَالِبِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ الْخَوْفُ. وَكَذَا قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُكَاتِبُ الْعَبْدَ إذَا عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا وَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رحمه الله تعالى إلَى أَنَّ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ لَازِمٌ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَإِلَّا لَكَانَ التَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ لَغْوًا، وَأَنَّ فِي آيَةِ الْكِتَابَةِ الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ هُوَ اسْتِحْبَابُ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ عِنْدَ عَدَمِ الْخَيْرِ فِي الْمُكَاتَبِ، وَفِي آيَةٍ لِقَصْرِ الْمُرَادِ قَصْرُ الْأَحْوَالِ كَالْإِيجَازِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالتَّخْفِيفِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاكْتِفَاءِ بِالْإِيمَاءِ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ كَيْفَ وَالْأَئِمَّةُ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ فِي قَصْرِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: وَالتَّصَدُّقُ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ إسْقَاطٌ