فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 537

ويأخذونها إلى البحر وهي صنعة ذلك الراهب يراه الناس عيانا وقد اعترف هو وغيره أنهم يصنعونها.

وقد اتفق أهل الحق من جميع الطوائف على أنه لا تجوز عبادة الله تعالى بشيء ليس له حقيقة. وقد يظن المنافقون أن ما ينقل عن المسيح وغيره من المعجزات من جنس النار المصنوعة.

وكذلك حيلهم في تعليق الصليب وفي بكاء التماثيل التي يصورونها على صورة المسيح وأمه وغيرهما ونحو ذلك: كل ذلك يعلم كل عاقل أنه إفك مفترى وأن جميع أنبياء الله وصالحي عباده برآء من كل زور وباطل وإفك كبراءتهم من سحر سحرة فرعون.

ثم إن هؤلاء عمدوا إلى الشريعة التي يعبدون الله بها فناقضوا الأولين من اليهود فيها، مع أنهم يأمرون بالتمسك بالتوراة، إلا ما نسخه المسيح. قصر هؤلاء في الأنبياء حتى قتلوهم. وغلا هؤلاء فيهم حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم. وقال أولئك: إن الله لا يصلح له أن يغير ما أمر به فيفسخه، لا في وقت آخر ولا على لسان نبي آخر. وقال هؤلاء: بل الأحبار والقسيسون يغيرون ما شاءوا ويحرمون ما رأوا ومن أذنب ذنبا وضعوا عليه ما رأوا من العبادات وغفروا له. ومنهم من يزعم أنه ينفخ في المرأة من روح القدس فيجعل البخور قربانًا. وقال أولئك: حرم علينا أشياء كثيرة. وقال هؤلاء: ما بين البقة والفيل حلال: كل ما شئت ودع ما شئت. وقال أولئك: النجاسات مغلظة، حتى إن الحائض لا يقعد معها ولا يؤكل معها. وهؤلاء يقولون: ما عليك شيء نجس ولا يأمرون بختان ولا غسل منجنابة ولا إزالة نجاسة، مع أن المسيح والحواريين كانوا على شريعة التوراة.

ثم إن الصلاة إلى المشرق لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون، وإنما ابتدعها قسطنطين أو غيره. وكذلك الصليب إنما ابتدعه قسطنطين برأيه وبمنام زعم أنه رآه. وأما المسيح والحواريون فلم يأمروا بشيء من ذلك. والدين الذي يتقرب العباد به إلى الله لا بد أن يكون الله أمر به وشرعه على ألسنة رسله وأنبيائه، وإلا فالبدع كلها ضلالة وما عبدت الأوثان إلا بالبدع.

وكذلك إدخال الألحان في الصلوات لم يأمر بها المسيح ولا الحواريون. وبالجملة فعامة أنواع العبادات والأعياد التي هم عليها لم ينزل بها الله كتابا ولا بعث بها رسولا، لكن فيهم رأفة ورحمة وهذا من دين الله، بخلاف الأولين، فإن فيهم قسوة ومقتا وهذا مما حرمه الله تعالى لكن الأولون لهم تمييز وعقل مع العناد والكبر. والآخرون فيهم ضلال عن الحق وجهل بطريق الله. ثم إن هاتين الأمتين تفرقتا أحزابا كثيرة في أصل دينهم واعتقادهم في معبودهم ورسولهم. هذا يقول: إن جوهر اللاهوت والناسوت صارا جوهرا واحدا وطبيعة واحدة وأقنوما واحدا. وهم اليعقوبية. وهذا يقول: بل هما جوهران وطبيعتان وأقنومان. وهم النسطورية. وهذا يقول بالاتحاد من وجه دون وجه وهم الملكانية. وقد آمن جماعات من علماء أهل الكتاب قديما وحديثا وهاجروا إلى الله ورسوله وصنفوا في كتب الله من دلالات نبوة النبي خاتم المرسلين وما في التوراة والزبور والإنجيل من مواضع لم يدبروها وكذلك الحواريون.

فلما اختلف الأحزاب من بينهم هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فبعث النبي الذي بشر به المسيح ومن قبله من الأنبياء داعيا إلى ملة إبراهيم ودين المرسلين قبله وبعده وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص الدين كله لله وطهر الأرض من عبادة الأوثان ونزه الدين عن الشرك: دقه وجله، بعد ما كانت الأصنام تعبد في أرض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت