الشام وغيرها في دولة بني إسرائيل ودولة الذين قالوا: إنا نصارى. وأمر بالإيمان بجميع كتب الله المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان. وبجميع أنبياء الله من آدم إلى محمد. قال الله تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135] {قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136] {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137] {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} [البقرة: 138] .
وأمر الله ذلك الرسول بدعوة الخلق إلى توحيده بالعدل فقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شيئا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} [الشورى: 51] وقال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] {وَلاَ يَامُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَامُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 80] .
وأمره أن تكون صلاته وحجه إلى بيت الله الحرام الذي بناه خليله إبراهيم أبو الأنبياء وإمام الحنفاء. وجعل أمته وسطا فلم يغلوا في الأنبياء كغلو من عدلهم بالله.
وجعل فيهم شيئا من الإلهية وعبدهم وجعلهم شفعاء. ولم يجفوا جفاء من آذاهم واستخف بحرماتهم وأعرض عن طاعتهم، بل عزروا الأنبياء - أي عظموهم ونصروهم - وآمنوا بما جاءوا به وأطاعوهم واتبعوهم وائتموا بهم وأحبوهم وأجلوهم ولم يعبدوا إلا الله فلم يتكلوا إلا عليه ولم يستعينوا إلا به مخلصين له الدين حنفاء. وكذلك في الشرائع. قالوا ما أمرنا الله به أطعناه وما نهانا عنه انتهينا وإذا نهانا عما كان أحله - كما نهى بني إسرائيل عما كان أباحه ليعقوب - أو أباح لنا ما كان حرامًا - كما أباح المسيح بعض الذي حرم الله على بني إسرائيل - سمعنا وأطعنا. وأما غير رسل الله وأنبيائه فليس لهم أن يبدلوا دين الله ولا يبتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله.
والرسل إنما قالوا تبليغًا عن الله، فإنه سبحانه له الخلق والأمر فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40] . وتوسطت هذه الأمة في الطهارة والنجاسة. وفي الحلال والحرام وفي الأخلاق. ولم يجردوا الشدة كما فعله الأولون ولم يجردوا الرأفة كما فعله الآخرون بل عاملوا أعداء الله بالشدة وعاملوا أولياء الله بالرأفة والرحمة وقالوا في المسيح ما قاله سبحانه وتعالى وما قاله المسيح والحواريون، لا ما ابتدعه الغالون والجافون. وقد أخبر الحواريون عن خاتم المرسلين أنه يبعث من أرض اليمن وأنه يبعث بقضيب الأدب وهو السيف. وأخبر المسيح أنه يجيء بالبينات والتأويل. وأن المسيح جاء بالأمثال. وهذا باب يطول شرحه. وإنما نبه الداعي لعظيم ملته وأهله لما بلغني ما عنده من الديانة والفضل ومحبة العلم وطلب المذاكرة ورأيت الشيخ أبا العباس المقدسي شاكرًا من الملك: من رفقه ولطفه وإقباله عليه وشاكرًا من القسيسين ونحوهم. ونحن قوم نحب الخير لكل أحد ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة، فإن أعظم ما عبد الله به نصيحة خلقه وبذلك بعث الله