الأنبياء والمرسلين ولا نصيحة أعظم من النصيحة فيما بين العبد وبين ربه، فإنه لا بد للعبد من لقاء الله ولا بد أن الله يحاسب عبده كما قال تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6] .
وأما الدنيا فأمرها حقير وكبيرها صغير. وغاية أمرها يعود إلى الرياسة والمال. وغاية ذي الرياسة أن يكون كفرعون الذي أغرقهالله في اليم انتقاما منه. وغاية ذي المال أن يكون كقارون الذي خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. لما آذى نبي الله موسى. وهذه وصايا المسيح ومن قبله ومن بعده من المرسلين كلها تأمر بعبادة الله والتجرد للدار الآخرة والإعراض عن زهرة الحياة الدنيا.
ولما كان أمر الدنيا خسيسًا رأيت أن أعظم ما يهدى لعظيم قومه المفاتحة في العلم والدين: بالمذاكرة فيما يقرب إلى الله. والكلام في الفروع مبني على الأصول.
وأنتم تعلمون أن دين الله لا يكون بهوى النفس ولا بعادات الآباء وأهل المدنية وإنما ينظر العاقل فيما جاءت به الرسل وفي ما اتفق الناس عليه وما اختلفوا فيه ويعامل الله تعالى بينه وبين الله تعالى بالاعتقاد الصحيح والعمل الصالح وإن كان لا يمكن الإنسان أن يظهر كل ما في نفسه لكل أحد: فينتفع هو بذلك القدر.
وإن رأيت من الملك رغبة في العلم والخير كاتبته وجاوبته عن مسائل يسألها وقد كان خطر لي أن أجيء إلى قبرص لمصالح في الدين والدنيا، لكن إذا رأيت من الملك ما فيه رضي الله ورسوله عاملته بما يقتضيه عمله، فإن الملك وقومه يعلمون أن الله قد أظهر من معجزاترسله عامة ومحمد خاصة: ما أيد به دينه وأذل الكفار والمنافقين. ولما قدم مقدم المغول غازان وأتباعه إلى دمشق وكان قد انتسب إلى الإسلام، لكن لم يرض الله ورسوله والمؤمنون بما فعلوه، حيث لم يلتزموا دين الله وقد اجتمعت به وبأمرائه وجرى لي معهم فصول يطول شرحها، لا بد أن تكون قد بلغت الملك، فأذله الله وجنوده لنا حتى بقينا نضربهم بأيدينا ونصرخ فيهم بأصواتنا. وكأن معهم صاحب سيس مثل أصغر غلام يكون حتى كان بعض المؤذنين الذين معنا يصرخ عليه ويشتمه وهو لا يجترئ أن يجاوبه حتى إن وزراء غازان ذكروا ما ينم عليه من فساد النية له وكنت حاضرا لما جاءت رسلكم إلى ناحية الساحل وأخبرني التتار بالأمر الذي أراد صاحب سيس أن يدخل بينكم وبينه فيه حيث مناكم بالغرور وكان التتار من أعظم الناس شتيمة لصاحب سيس وإهانة له، ومع هذا فإنا كنا نعامل أهل ملتكم بالإحسان إليهم والذب عنهم. وقد عرف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى وأطلقهم غازان وقطلو شاه وخاطبت مولاي فيهم فسمح بإطلاق المسلمين. قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس فهؤلاء لا يطلقون. فقلت له: بل جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفتكهم ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة. وأطلقنا من النصارى من شاء الله. فهذا عملنا وإحساننا والجزاء على الله. وكذلك السبي الذي بأيدينا من النصارى يعلم كل أحد إحساننا ورحمتنا ورأفتنا بهم، كما أوصانا خاتم المرسلين حيث قال في آخر حياته: (الصلاة وما ملكت أيمانكم) قال الله تعالى في كتابه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] .
ومع خضوع التتار لهذه الملة وانتسابهم إلى هذه الملة، فلم نخادعهم ولم ننافقهم، بل بينا لهم ما هم عليه من الفساد والخروج عن الإسلام الموجب لجهادهم وأن جنود الله المؤيدة وعساكره المنصورة المستقرة بالديار الشامية والمصرية: ما زالت منصورة على من