ناوأها. مظفرة على من عاداها. وفي هذه المدة لما شاع عند العامة أن التتار مسلمون أمسك العسكر عن قتالهم فقتل منهم بضعة عشر ألفا ولم يقتل من المسلمين مائتان. فلما انصرف العسكر إلى مصر وبلغه ما عليه هذه الطائفة الملعونة من الفساد وعدم الدين: خرجت جنود الله وللأرض منها وئيد قد ملأت السهل والجبل، في كثرة وقوة وعدة وإيمان وصدق. قد بهرت العقول والألباب. محفوفة بملائكة الله التي ما زال يمد بها الأمة الحنيفية المخلصة لبارئها: فانهزم العدو بين أيديها ولم يقف لمقابلتها. ثم أقبل العدو ثانيا فأرسل عليه منالعذاب ما أهلك النفوس والخيل وانصرف خاسئا وهو حسير وصدق الله وعده ونصر عبده. وهو الآن في البلاء الشديد والتعكيس العظيم والبلاء الذي أحاط به. والإسلام في عز متزايد وخير مترافد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة في رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) . وهذا الدين في إقبال وتجديد. وأنا ناصح للملك وأصحابه - والله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة والإنجيل والفرقان. ويعلم الملك أن وفد نجران - وكانوا نصارى كلهم فيهم الأسقف وغيره - لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله ورسوله وإلى الإسلام: خاطبوه في أمر المسيح وناظروه فلما قامت عليهم الحجة جعلوا يراوغون فأمر الله نبيه أن يدعوهم إلى المباهلة كما قال: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] .
فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك استشوروا بينهم فقالوا: تعلمون أنه نبي وأنه ما باهل أحد نبيًا فأفلح. فأدوا إليه الجزية ودخلوا في الذمة واستعفوا من المباهلة.
وكذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتابه إلى قيصر الذي كان ملك النصارى بالشام والبحر إلى قسطنطينية وغيرها وكان ملكًا فاضلًا. فلما قرأ كتابه وسأل عن علامته: عرف أنه النبي الذي بشر به المسيح وهو الذي كان وعد الله به إبراهيم في ابنه إسماعيل وجعل يدعو قومه النصارى إلى متابعته وأكرم كتابه وقبله ووضعه على عينيه وقال: وددت أني أخلص إليه حتى أغسل عن قدميه ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه. وأما النجاشي ملك الحبشة النصراني، فإنه لما بلغه خبر النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه الذين هاجروا إليه: آمن به وصدقه وبعث إليه ابنه وأصحابه مهاجرين. وصلى النبي صلى الله عليه وسلم عليه لما مات. ولما سمع سورة {كهيعص} [مريم: 1] بكى. ولما أخبروه عما يقولون في المسيح قال: والله ما يزيد عيسى على هذا مثل هذا العود. وقال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.
وكانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من النصارى صار من أمته له ما لهم وعليه ما عليهم. وكان له أجران: أجر على إيمانه بالمسيح وأجر على إيمانه بمحمد. ومن لم يؤمن به من الأمم فإن الله أمر بقتاله كما قال في كتابه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] .
فمن كان لا يؤمن بالله بل يسب الله ويقول: إنه ثالث ثلاثة وأنه صلب. ولا يؤمن برسله، بل يزعم أن الذي حمل وولد وكان يأكل ويشرب ويتغوط وينام: هو الله وابن الله. وأن الله أو ابنه حل فيه وتدرعه ويجحد ما جاء به محمد خاتم المرسلين ويحرف نصوص التوراة والإنجيل، فإن في الأناجيل الأربعة من التناقض والاختلاف بين ما أمر الله به وأوجبه ما فيها ولا يدين الحق. ودين الحق هو الإقرار بما أمر الله به وأوجبه من عبادته وطاعته ولا