فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 537

يحرم ما حرم الله ورسوله، من الدم والميتة ولحم الخنزير الذي ما زال حراما من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم ما أباحه نبي قط، بل علماء النصارى يعلمون أنه محرم وما يمنع بعضهم من إظهار ذلك إلا الرغبة والرهبة. وبعضهم يمنعه العناد والعادة ونحو ذلك. ولا يؤمنون باليوم الآخر، لأن عامتهم وإن كانوا يقرون بقيامة الأبدان، لكنهم لا يقرون بما أخبر الله به من الأكل والشرب واللباس والنكاح والنعيم والعذاب في الجنة والنار، بل غاية ما يقرون به من النعيم السماع والشم.

ومنهم متفلسفة ينكرون معاد الأجساد وأكثر علمائهم زنادقة وهم يضمرون ذلك ويسخرون بعوامهم، لا سيما بالنساء والمترهبين منهم: بضعف العقول. فمن هذا حاله فقد أمر الله رسوله بجهاده حتى يدخل في دين الله أو يؤدي الجزية وهذا دين محمد صلى الله عليه وسلم. ثم المسيح لم يأمر بجهاد، لا سيما بجهاد الأمة الحنيفية ولا الحواريون بعده. فيا أيها الملك كيف تستحل سفك الدماء وسبي الحريم وأخذ الأموال بغير حجة من الله ورسله.

ثم أما يعلم الملك أن بديارنا من النصارى أهل الذمة والأمان ما لا يحصي عددهم إلا الله ومعاملتنا فيهم معروفة فكيف يعاملون أسرى المسلمين بهذه المعاملات التي لا يرضى بها ذو مروءة ولا ذو دين لست أقول عن الملك وأهل بيته ولا إخوته، فإن أبا العباس شاكر للملك ولأهل بيته كثيرا معترفا بما فعلوه معه من الخير وإنما أقول عن عموم الرعية. أليس الأسرى في رعية الملك أليست عهود المسيح وسائر الأنبياء توصي بالبر والإحسان. فأين ذلك. ثم إن كثيرًا منهم إنما أخذوا غدرا والغدر حرام في جميع الملل والشرائع والسياسات فكيف تستحلون أن تستولوا على من أخذ غدرا أفتأمنون مع هذا أن يقابلكم المسلمون ببعض هذا وتكونون مغدورين والله ناصرهم ومعينهم، لا سيما في هذه الأوقات والأمة قد امتدت للجهاد. واستعدت للجلاد. ورغب الصالحون وأولياء الرحمن في طاعته وقد تولى الثغور الساحلية أمراء ذوو بأس شديد وقد ظهر بعض أثرهم وهم في ازدياد. ثم عند المسلمين من الرجال الفداوية الذين يغتالون الملوك فيفرشها وعلى أفراسها: من قد بلغ الملك خبرهم، قديما وحديثا. وفيهم الصالحون الذين لا يرد الله دعواتهم ولا يخيب طلباتهم الذين يغضب الرب لغضبهم ويرضى لرضاهم. وهؤلاء التتار مع كثرتهم وانتسابهم إلى المسلمين لما غضب المسلمون عليهم أحاط بهم من البلاء ما يعظم عن الوصف. فكيف يحسن أيها الملك بقوم يجاورون المسلمين من أكثر الجهات أن يعاملوهم هذه المعاملة التي لا يرضاها عاقل، لا مسلم ولا معاهد. هذا وأنت تعلم أن المسلمين لا ذنب لهم أصلا، بل هم المحمودون على ما فعلوه، فإن الذي أطبقت العقلاء على الإقرار بفضله هو دينهم حتى الفلاسفة أجمعوا على أنه لم يطرق العالم دين أفضل من هذا الدين. فقد قامت البراهين على وجوب متابعته. ثم هذه البلاد ما زالت بأيديهم الساحل، بل وقبرص أيضا ما أخذت منهم إلا من أقل من ثلاثمائة سنة وقد وعدهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يزالون ظاهرين إلى يوم القيامة. فما يؤمن الملك أن هؤلاء الأسرى المظلومين ببلدته ينتقم لهم رب العباد والبلاد كما ينتقم لغيرهم وما يؤمنه أن تأخذ المسلمين حمية إسلامهم فينالوا منها ما نالوا من غيرها ونحن إذا رأينا من الملك وأصحابه ما يصلح عاملناهم بالحسنى وإلا فمن بغي عليه لينصرنه الله. وأنت تعلم أن ذلك من أيسر الأمور على المسلمين. وأنا ما غرضي الساعة إلا مخاطبتكم بالتي هي أحسن والمعاونة على النظر في العلم واتباع الحق وفعل ما يجب. فإن كان عند الملك من يثق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت