فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 537

والكافر الأصلى يجوز أن يعقد له أمان وهدنة، ويجوز المن عليه والمفاداة به إذا كان أسيرًا عند الجمهور، ويجوز إذا كان كتابيًا أن يعقد له ذمة، ويؤكل طعامهم، وتنكح نساؤهم، ولا تقتل نساؤهم إلا أن يقاتلن بقول أو عمل، باتفاق العلماء. وكذلك لا يقتل منهم إلا من كان من أهل القتال عند جمهور العلماء، كما دلت عليه السنة.

فالكافر المرتد أسوأ حالًا في الدين والدنيا من الكافر المستمر على كفره. وهؤلاء القوم فيهم من المرتدة ما لا يحصي عددهم إلا الله. فهذان صنفان.

وفيهم ـ أيضًا ـ من كان كافرًا فانتسب إلى الإسلام ولم يلتزم شرائعه: من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، والكف عن دماء / المسلمين وأموالهم، والتزام الجهاد في سبيل الله، وضرب الجزية على اليهود والنصاري، وغير ذلك.

وهؤلاء يجب قتالهم بإجماع المسلمين، كما قاتل الصديق مانعي الزكاة، بل هؤلاء شر منهم من وجوه، وكما قاتل الصحابة ـ أيضًا ـ مع أمير المؤمنين ـ على رضي الله عنه ـ الخوارج بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال صلى الله عليه وسلم في وصفهم: (تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة) ، وقال: (لو يعلم الذين يقاتلون ماذا لهم على لسان محمد لنكلوا عن العمل) ، وقال: (هم شر الخلق والخليقة، شر قتلي تحت أديم السماء، خير قتلي من قتلوه) . فهؤلاء مع كثرة صيامهم وصلاتهم وقراءتهم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، وقاتلهم أمير المؤمنين على، وسائر الصحابة الذين معه، ولم يختلف أحد في قتالهم، كما اختلفوا في قتال أهل البصرة والشام؛ لأنهم كانوا يقاتلون المسلمين. فإن هؤلاء شر من أولئك من غير وجه، وإن لم يكونوا مثلهم في الاعتقاد؛ فإن معهم من يوافق رأيه في المسلمين رأي الخوارج. فهذه ثلاثة أصناف.

وفيهم صنف رابع شر من هؤلاء. وهم قوم ارتدوا عن شرائع/الإسلام وبقوا مستمسكين بالانتساب إليه. فهؤلاء الكفار المرتدون، والداخلون فيه من غير التزام لشرائعه، والمرتدون عن شرائعه لا عن سمته، كلهم يجب قتالهم بإجماع المسلمين، حتى يلتزموا شرائع الإسلام، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وحتى تكون كلمة الله ـ التي هي كتابه وما فيه من أمره ونهيه وخبره ـ هي العليا. هذا إذا كانوا قاطنين في أرضهم، فكيف إذا استولوا على أراضي الإسلام: من العراق، وخراسان، والجزيرة، والروم، فكيف إذا قصدوكم وصالوا عليكم بغيا وعدوانًا؟! {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عليهمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ على مَن يَشَاء وَاللّهُ عليمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 13 - 15] .

واعلموا ـ أصلحكم الله ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه من وجوه كثيرة أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة) ، وثبت أنهم بالشام.

فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاث فرق: الطائفة المنصورة، وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين. والطائفة المخالفة، وهم هؤلاء / القوم، ومن تحيز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام. والطائفة المخذلة، وهم القاعدون عن جهادهم؛ وإن كانوا صحيحي الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت