فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة؟ فما بقي قسم رابع.
واعلموا أن الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، قال الله ـ تعالى ـ في كتابه: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَي الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة: 52] يعني: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة. فمن عاش من المجاهدين كان كريمًا له ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يعطي الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه، ويري مقعده من الجنة، ويكسي حلة من الإيمان، ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين، ويوقي فتنة القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر) رواه أهل السنن. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، أعدها الله ـ سبحانه وتعالى ـ للمجاهدين في سبيله) ، فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد. وقال صلى الله عليه وسلم: (مثل المجاهد في سبيل الله مثل الصائم القائم القانت، الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام) ، وقال رجل: أخبرني بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: (لا تستطيعه) . / قال: أخبرني به؟ قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم لا تفطر، وتقوم لا تفتر؟) قال: لا، قال: (فذلك الذي يعدل الجهاد في سبيل الله) . وهذه الأحاديث في الصحيحين وغيرهما.
وكذلك اتفق العلماء ـ فيما أعلم ـ على أنه ليس في التطوعات أفضل من الجهاد. فهو أفضل من الحج، وأفضل من الصوم التطوع، وأفضل من الصلاة التطوع.
والمرابطة في سبيل الله أفضل من المجاورة بمكة والمدينة وبيت المقدس، حتى قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه: لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إلى من أن أوافق ليلة القدر عند الحجر الأسود. فقد اختار الرباط ليلة على العبادة في أفضل الليالى عند أفضل البقاع؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقيمون بالمدينة دون مكة؛ لمعان منها: أنهم كانوا مرابطين بالمدينة. فإن الرباط هو المقام بمكان يخيفه العدو ويخيف العدو، فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو مرابط، والأعمال بالنيات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل) . رواه أهل السنن وصححوه. وفي صحيح مسلم عن سلمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، ومن مات مرابطًا أجري عليه عمله، وأجري عليه رزقه من الجنة، وأمن الفتان) ، يعني: منكر ونكير. فهذا في الرباط فكيف الجهاد؟! /وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في وجه عبد أبدًا) ، وقال: (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار) ، فهذا في الغبار الذي يصيب الوجه والرجل، فكيف بما هو أشق منه، كالثلج، والبرد، والوحل؟!
ولهذا عاب الله ـ عز وجل ـ المنافقين الذين يتعللون بالعوائق، كالحر والبرد، فقال ـ سبحانه وتعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُوا لاَ تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 81] ، وهكذا الذين يقولون: لا تنفروا في البرد، فيقال: نار جهنم أشد بردًا. كما أخرجاه في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اشتكت النار إلى ربها، فقالت: ربي أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر والبرد فهو