فلما كانت حادثة المسلمين عام أول شبيهة بأحد، وكان بعد أحد بأكثر من سنة ـ وقيل: بسنتين ـ قد ابتلى المسلمون عام الخندق، كذلك في هذا العام ابتلى المؤمنون بعدوهم، كنحو ما ابتلى المسلمون مع /النبى صلى الله عليه وسلم عام الخندق، وهى غزوة الأحزاب التى أنزل الله فيها [سورة الأحزاب] وهى سورة تضمنت ذكر هذه الغزاة، التى نصر الله فيها عبده صلى الله عليه وسلم، وأعز فيها جنده المؤمنين، وهزم الأحزاب ـ الذين تحزبوا عليه ـ وحده بغير قتال، بل بثبات المؤمنين بإزاء عدوهم. ذكر فيها خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحقوقه، وحرمته، وحرمة أهل بيته، لما كان هو القلب الذى نصره الله فيها بغير قتال. كما كان ذلك في غزوتنا هذه سواء. وظهر فيها سر تأييد الدين، كما ظهر في غزوة الخندق. وانقسم الناس فيها كانقسامهم عام الخندق.
وذلك أن الله ـ تعالى ـ منذ بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم وأعزه بالهجرة والنصرة صار الناس ثلاثة أقسام:
قسمًا مؤمنين: وهم الذين آمنوا به ظاهرًا وباطنًا.
وقسمًا كفارا: وهم الذين أظهروا الكفر به.
وقسمًا منافقين: وهم الذين آمنوا ظاهرًا، لا باطنًا.
ولهذا افتتح [سورة البقرة] بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين. وثلاث عشرة آية في صفة المنافقين.
وكل واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشعب، كما /دلت عليه دلائل الكتاب والسنة، وكما فسره أمير المؤمنين على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ في الحديث المأثور عنه في الإيمان ودعائه وشعبه.
فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبىّ وغيره؛ بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك، مما لا يكون صاحبه إلا عدوًا لله ورسوله. وهذا القدر كان موجودًا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زال بعده، بل هو بعده أكثر منه على عهده؛ لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى. فإذا كانت مع قوتها وكان النفاق معها موجودًا فوجوده فيما دون ذلك أولى.
وكما أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم بعض المنافقين، ولا يعلم بعضهم، كما بينه قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101] ، كذلك خلفاؤه بعده وورثته، قد يعلمون بعض المنافقين، ولا يعلمون بعضهم. وفى المنتسبين إلى الإسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون، في الخاصة والعامة. ويسمون [الزنادقة] .
وقد اختلف العلماء في قبول توبتهم في الظاهر، لكون ذلك لا / يعلم؛ إذ هم دائمًا يظهرون الإسلام. وهؤلاء يكثرون في المتفلسفة من المنجمين، ونحوهم، ثم في الأطباء، ثم في الكتاب أقل من ذلك. ويوجدون في المتصوفة والمتفقهة، وفى المقاتلة والأمراء، وفى العامة أيضًا. ولكن يوجدون كثيرًا في نحل أهل البدع، لاسيما الرافضة، ففيهم من الزنادقة والمنافقين ما ليس في أحد من أهل النحل؛ ولهذا كانت الخُرَّمِيَّة، والباطنية، والقرامطة، والإسماعيلية، والنُّصَيْريَّة، ونحوهم من المنافقية الزنادقة، منتسبة إلى الرافضة.
وهؤلاء المنافقون في هذه الأوقات لكثير منهم ميل إلى دولة هؤلاء التتار؛ لكونهم لا يلزمونهم شريعة الإسلام، بل يتركونهم وما هم عليه. وبعضهم إنما ينفرون عن التتار لفساد