فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 537

سيرتهم في الدنيا، واستيلائهم على الأموال، واجترائهم على الدماء، والسبى، لا لأجل الدين.

فهذا ضرب النفاق الأكبر.

وأما النفاق الأصغر، فهو النفاق في الأعمال ونحوها؛ مثل أن يكذب إذا حدث، ويخلف إذا وعد، ويخون إذا ائتمن، أو يفجر إذا خاصم. ففى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) ، وفى رواية صحيحة: (وإن صلى، وصام، وزعم أنه مسلم) ، وفى الصحيحين /عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا عاهد غدر. وإذا خاصم فجر) .

ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد، فإنه من خصال المنافقين. قال النبى صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من نفاق) . رواه مسلم. وقد أنزل الله [سورة براءة] التى تسمى الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين. أخرجاه في الصحيحين عن ابن عباس، قال: هى الفاضحة، ما زالت تنزل: (ومنهم) ، (ومنهم) حتى ظنوا ألا يبقى أحد إلا ذكر فيها. وعن المقداد بن الأسود قال: هى [سورة البحوث] ؛ لأنها بحثت عن سرائر المنافقين. وعن قتادة قال: هى المثيرة؛ لأنها أثارت مخازى المنافقين.

وعن ابن عباس قال: هى المبعثرة. والبعثرة والإثارة متقاربان.

وعن ابن عمر: أنها المقشقشة؛ لأنها تبرئ من مرض النفاق. يقال: تقشقش المريض إذا برأ. وقال الأصمعى: وكان يقال لسورتى الإخلاص: المقشقشتان؛ لأنهما يبرئان من النفاق.

/وهذه السورة نزلت في آخر مغازى النبى صلى الله عليه وسلم ـ غروة تبوك ـ عام تسع من الهجرة، وقد عز الإسلام، وظهر. فكشف اللّه فيها أحوال المنافقين، ووصفهم فيها بالجبن، وترك الجهاد. ووصفهم بالبخل عن النفقة في سبيل اللّه، والشح على المال. وهذان داءان عظيمان: الجبن والبخل. قال النبى صلى الله عليه وسلم: (شر ما في المرء شح هالع، وجبن خالع) . حديث صحيح؛ ولهذا قد يكونان من الكبائر الموجبة للنار، كما دل عليه قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] . وقال تعالى: وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ

مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: 16] .

وأما وصفهم بالجبن والفزع، فقال تعالى: {وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [التوبة: 56، 57] . فأخبر ـ سبحانه ـ أنهم وإن حلفوا أنهم من المؤمنين فما هم منهم؛ ولكن يفزعون من العدو. فـ {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً} يلجؤون إليه من المعاقل والحصون التى يفر إليها من يترك الجهاد، أو {مَغَارَاتٍ} وهى جمع مغارة. ومغارات سميت بذلك؛ لأن الداخل يغور فيها، أى: يستتر كما يغور الماء. {أّوً مٍدَّخّلا} /وهو الذى يتكلف الدخول إليه، إما لضيق بابه، أو لغير ذلك، أى: مكانا يدخلون إليه. ولو كان الدخول بكلفة ومشقة. {لَّوَلَّوْا} عن الجهاد {إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} أى: يسرعون إسراعا لا يردهم شئ، كالفرس الجموح الذى إذا حمل لا يرده اللجام. وهذا وصف منطبق على أقوام كثيرين في حادثتنا، وفيما قبلها من الحوادث، وبعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت