فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 537

وعلى هذا فقوله: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32] هو إرادة الفجور، وشهوة الزنا، كما فسروه به. ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم: / (وأى داء أدوأ من البخل؟!) .

وقد جعل الله ـ تعالى ـ كتابه شفاء لما في الصدور، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (إنما شفاء العِىِّ السؤال) .

وكان يقول في دعائه: (اللهم إنى أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء) .

ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه، كما ذكروا أن رجلًا شكا إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحدًا. أى: خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك؛ ولهذا أوجب الله على عباده ألا يخافوا حزب الشيطان، بل لا يخافون غيره ـ تعالى ـ فقال: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] أى: يخوفكم أولياءه. وقال لعموم بنى إسرائيل تنبيهًا لنا: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] .

وقال: {فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] . وقال: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة: 150] . وقال تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 3] . وقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ} [التوبة: 18] . وقال: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب: 39] . وقال: {أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} [التوبة: 13] .

فدلت هذه الآية ـ وهى قوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [الأحزاب: 12] ـ على أن المرض والنفاق في القلب يوجب الريب في الأنباء الصادقة التى توجب أمن الإنسان من الخوف، حتى يظنوا أنها كانت غرورًا لهم، كما وقع في حادثتنا هذه سواء.

ثم قال تعالى: {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} [الأحزاب: 13] ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد عسكر بالمسلمين عند سَلْع، وجعل الخندق بينه وبين العدو. فقالت طائفة منهم: لا مقام لكم هنا؛ لكثرة العدو، فارجعوا إلى المدينة. وقيل: لا مقام لكم على دين محمد، فارجعوا إلى دين الشرك. وقيل: لا مقام لكم على القتال، فارجعوا إلى الاستئمان والاستجارة بهم.

وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم، فينبغى الدخول في دولة التتار. وقال بعض الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكن، بل ننتقل عنها، إما إلى الحجاز واليمن، وإما إلى مصر. وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء، كما قد /استسلم لهم أهل العراق، والدخول تحت حكمهم.

فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة. كما قيلت في تلك. وهكذا قال طائفة من المنافقين، والذين في قلوبهم مرض، لأهل دمشق خاصة والشام عامة: لا مقام لكم بهذه الأرض.

ونفى المقام بها أبلغ من نفى المقام. وإن كانت قد قرئت بالضم أيضًا. فإن من لم يقدر أن يقوم بالمكان، فكيف يقيم به؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت