قال الله تعالى: {وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب: 13] .
وكان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون ـ والناس مع النبى صلى الله عليه وسلم عند سَلْع داخل الخندق، والنساء والصبيان في آطام المدينة: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، أى: مكشوفة ليس بينها وبين العدو حائل ـ وأصل العورة: الخالى الذى يحتاج إلى حفظ وستر. يقال: اعور مجلسك إذا ذهب ستره، أو سقط جداره. ومنه عورة العدو. وقال مجاهد والحسن: أى ضائعة تخشى عليها السراق. وقال قتادة: قالوا: بيوتنا مما يلى العدو، فلا نأمن على أهلنا، فائذن لنا أن /نذهب إليها؛ لحفظ النساء والصبيان. قال الله تعالى: {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} ؛ لأن الله يحفظها {إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} فهم يقصدون الفرار من الجهاد، ويحتجون بحجة العائلة.
وهكذا أصاب كثيرًا من الناس في هذه الغزاة. صاروا يفرون من الثغر إلى المعاقل والحصون، وإلى الأماكن البعيدة، كمصر، ويقولون: ما مقصودنا إلا حفظ العيال، وما يمكن إرسالهم مع غيرنا، وهم يكذبون في ذلك، فقد كان يمكنهم جعلهم في حصن دمشق، لو دنا العدو، كما فعل المسلمون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام للجهاد، فكيف بمن فر بعد إرسال عياله؟ قال الله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} [الأحزاب: 14] ، فأخبر أنه لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة ـ وهى الافتتان عن الدين بالكفر، أو النفاق لأعطوا الفتنة، ولجاؤوها من غير توقف.
وهذه حال أقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم. ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام ـ وتلك فتنة عظيمة ـ لكانوا معه على ذلك. كما ساعدهم في العام الماضى أقوام بأنواع من الفتنة في الدين والدنيا، ما بين ترك واجبات، وفعل محرمات، إما في حق الله، وإما في حق العباد. كترك الصلاة، وشرب /الخمور، وسب السلف، وسب جنود المسلمين، والتجسس لهم على المسلمين، ودلالتهم على أموال المسلمين، وحريمهم. وأخذ أموال الناس، وتعذيبهم، وتقوية دولتهم الملعونة، وإرجاف قلوب المسلمين منهم، إلى غير ذلك من أنواع الفتنة.
ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا} [الأحزاب: 15] ، وهذه حال أقوام عاهدوا ثم نكثوا ـ قديمًا وحديثًا ـ في هذه الغزوة. فإن في العام الماضى، وفى هذا العام ـ في أول الأمر ـ كان من أصناف الناس من عاهد على أن يقاتل ولا يفر، ثم فر منهزمًا، لما اشتد الأمر.
ثم قال الله تعالى: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 16] ، فأخبر الله أن الفرار لا ينفع لا من الموت ولا من القتل. فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون؛ ولذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه) . والفرار من القتل كالفرار من الجهاد. وحرف [لن] ينفى الفعل في الزمن المستقبل. والفعل نكرة. والنكرة في سياق النفى تعم جميع أفرادها. فاقتضى ذلك: أن الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة أبدًا. وهذا خبر الله الصادق. فمن اعتقد أن ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره.
/والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن. فإن هؤلاء الذين فروا في هذا العام لم ينفعهم فرارهم، بل خسروا الدين والدنيا، وتفاوتوا في المصائب. والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك