الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا عِنْدَهُمْ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ: كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ - هُوَ غُنْدَرٌ - نا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْت قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: {جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَارَ وَقَالَ: أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟ قَالُوا: لَا، إلَّا ابْنَ أُخْتٍ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ} وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ} أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لَأَنْ يَعْقِلَ عَنْهُمْ، أَوْ يَعْقِلُوا عَنْهُ إذْ لَا يَقْتَضِي قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ} أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ. وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْعُقَيْلِيِّ {أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ مِنْ ثَقِيفَ} فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا - أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَاخُذْ مِنْهُ - إذْ أَخْذُهُ مُسْلِمًا حَرَامٌ أَخْذُهُ - لَوْلَا جَرِيرَةُ حُلَفَائِهِ، بَلْ أَخَذَ كَافِرًا حَلَالًا أَخْذُهُ، وَدَمُهُ، وَمَالُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، إلَّا أَنَّهُ تَأَكَّدَ أَمْرُهُ مِنْ أَجْلِ جَرِيرَةِ حُلَفَائِهِ فَقَطْ - وَلَسْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - إنَّمَا نَحْنُ فِي مُسْلِمِينَ حَرَامٌ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، هَلْ يُؤْخَذُونَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِهِمْ أَمْ لَا؟. وَثَانِيهَا: أَنَّ مِثْلَ تِلْكَ الْجَرِيرَةِ لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا مُسْلِمٌ عَنْ مُسْلِمٍ وَلَوْ أَنَّ حُلَفَاءَ الْإِنْسَانِ أَوْ إخْوَانَهُ أَوْ أَبَاهُ أَوْ وَلَدَهُ: يَاسِرُ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ: لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ أَنْ يَاخُذَ حَلِيفَهُ، وَلَا أَخَاهُ، وَلَا ابْنَهُ، وَلَا أَبَاهُ عَنْهُ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الشَّيْءِ عَلَى ضِدِّهِ، وَقِيَاسُ مُؤْمِنٍ عَلَى كَافِرٍ، وَجِنَايَةِ قَتْلِ خَطَأٍ عَلَى أَسْرِ كُفَّارٍ لِمُؤْمِنٍ - وَهَذَا تَخْلِيطٌ مِمَّنْ مَوَّهَ بِهَذَا الْخَبَرِ فَحَرَّفَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ - جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: {لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَكُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إلَّا شِدَّةً} فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّنَا لَمْ نُخَالِفْهُمْ فِي بَقَاءِ حِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِبْطَالِ الْحِلْفِ فِي الْإِسْلَامِ فَيَحْتَجُّوا عَلَيْنَا بِهَذَا الْخَبَرِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ هَلْ يَعْقِلُ الْحُلَفَاءُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ أَمْ لَا؟ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْخَبَرِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَمَا مَعْنَى بَقَاءِ الْحِلْفِ إذَا قُلْنَا: مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ كَأَنَّهُمْ مِنْهُمْ، فَإِذَا غَزَوْا غَزَوْا مَعَهُمْ، وَإِذَا كَانَتْ لَهُمْ حَاجَةٌ تَكَلَّمُوا فِيهَا كَمَا يَتَكَلَّمُ الْأَهْلُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - وَأَمَّا إيجَابُ غَرَامَةٍ فَلَا. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ نا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ: قِيلَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: بَلَغَنَا {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالَفَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِهِ} . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ: {فِي دَارِهِ بِالْمَدِينَةِ} ؟ قَالَ عَلِيٌّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَهَذَا أَعْظَمُ حُجَّةً فِي إبْطَالِ أَنْ يَعْقِلَ الْحَلِيفُ عَنْ حَلِيفِهِ؛ لِأَنَّ {رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالَفَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ} ، وَلَا حِلْفَ أَقْوَى وَأَشَدَّ مِنْ حِلْفٍ عَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْ عَقَلَ الْحُلَفَاءُ عَنْ الْحَلِيفِ لَوَجَبَ أَنْ تَعْقِلَ قُرَيْشٌ عَنْ الْأَنْصَارِ، وَالْأَنْصَارُ عَنْ قُرَيْشٍ - وَهَذَا مَا لَا يَقُولُونَهُ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَوَاجِبٌ أَنْ نَطْلُبَ مَعْرِفَةَ الْوَقْتِ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ: فَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: إنَّ كُلَّ حِلْفٍ كَانَ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ فَهُوَ مَشْدُودٌ، وَكُلَّ حِلْفٍ كَانَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ فَهُوَ مَنْقُوضٌ؛ لِأَنَّ {رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وَادَعَ قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ كَتَبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ: أَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَعَقْدِهَا دَخَلَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَقْدِهِ دَخَلَ} . وَقَضَى عُثْمَانُ: أَنَّ كُلَّ حِلْفٍ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَهُوَ جَاهِلِيٌّ ثَابِتٌ، وَكُلَّ حِلْفٍ كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَهُوَ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَفْسُوخٌ،