.وبعد هذا البيان لابد لي من كلمة أقولها:
تمسك معظم النحويين بالقاعدة المعروفة لدى البصريين، التي لا تجيز عطف الاسم الظاهر على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض. ولو أنعمنا النظر في القرآن الكريم لرأينا شواهد كثيرة، ورد فيها عطف الاسم الظاهر على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض. ولا أدري لم أهملها النحاة! مع أنهم احتجوا بأبيات شعر سمعت عن بعض العرب، وبنصوص من كلام العرب الفصحاء، وكتاب الله قمة الفصاحة والبيان. فمن الشواهد التي وردت في القرآن الكريم:
1 -قوله تعالى: (وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام) .
فـ (المسجد) بقراءة الجر معطوف على الهاء في (به) دون إعادة الخافض .
2 -قوله تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم) . أجاز الفراء (ت 207 هـ) أن تكون (ما) في موضع خفض، لأنها معطوفة على الضمير المخفوض في (فيهن) أي: يفتيكم الله فيهن وما يتلى عليكم غيرهن .
3 -قوله تعالى: (لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة) . و (المقيمين) عند الكسائي في موضع خفض بالعطف على الكاف في (إليك) ، والتقدير (يؤمنون بالكتب وبالمقيمين الصلاة، وهم الأنبياء، أو الملائكة) . وقيل: هو عطف على الكاف في قوله: (بما أنزل إليك) ، أي يؤمنون بالذي أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، وهم الأنبياء .
فهذه الآيات جاءت في القراءات السبعة المحكمة، وهذا الذي جعل أبا حيّان يقول عن قراءة حمزة: (ومن ادعى اللحن فيها أو الغلط على حمزة فقد كذب) .
ولذلك كان ابن مالك على صواب تام حين قال في ألفيته مخالفا رأي البصريين، ومؤيدًا قراءة حمزة:
وعود خافض لدى عطف على
ضمير خفض لازما قد جعلا
وليس عندي لازما إذ قد أتى
في النظم والنثر الصحيح مثبتا
وحينما عدد أبو حيّان مذاهب النحاة في جواز العطف على الضمير المخفوض دون إعادة الخافض قال: (والذي نختاره، أنه يجوز ذلك في الكلام مطلقًا، لأن السماع يعضده، والقياس يقويه، أما السماع فما روي من قول العرب:(ما فيها غيره وفرسه) ، بجر الفرس، عطفًا على الضمير في (غيره) والتقدير: (ما فيها غيره، وغير فرسه) .
مثال (3) :
قال تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) .
قرأ نافع وابن كثير وحمزة بتخفيف الميم (أمن) ، وقرأ الباقون بالتشديد .
* التلحين:
ضعّف هذه القراءة ولحّن من قرأ بها: أبو الحسن الأخفش، فقال: (القراءة بالتخفيف ضعيفة) ، وضعفها كذلك أبو حاتم .
الرد: هذ القراءة - كما هو معلوم - متواترة، رويت عن كبار القراء، إلا أنه لحّنها بعض النحويين - كما ترى - ولو تتبعنا وجوهها في العربية، لرأينا مسوغاتها اللغوية بيّنة. فالألف يجوز أن تكون للنداء، ويجوز أن تكون للاستفهام، إن أضمر معادل.
قال الفراء: الهمزة للنداء، كأنه قيل: يا من هو قانت، ويكون قوله: قل، خطابًا له .
وقال مكي بن أبي طالب القيسي: (وحجة من خففه أنه جعله نداء، فالألف للنداء، ودليله قوله:(هل يستوي) ناداه، شبهه بالنداء، ثم أمره، ويحسن أن تكون الألف للاستفهام، على أن تضمر معادلًا للألف في آخر الكلام، تقديره: أمن هو قانت كمن هو بخلاف ذلك، ودل عليه قوله: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) . ولا بد من هذا الإضمار، لأن التسوية تحتاج إلى اثنين، وإلى جملتين، والقراءتان متقاربتان حسنتان) .
ولا يختلف كلام أبي البركات بن الأنباري كثيرًا عما قاله مكي. قال ابن الأنباري:
(من قرأ بالتخفيف ففيه وجهان:
أحدهما: أن تكون الهمزة للاستفهام بمعنى التنبيه. . .
والثاني: أن تكون الهمزة للنداء، يا من هو قانت أبشر فإنك من أهل الجنة. . .)
وقال نصر بن علي في الموضح: (والوجه أن الألف للاستفهام، و(من) موصولة بمعنى الذي، و (هو قانت) صلتها، والتقدير: أمن هو قانت كمن جعل لله أندادًا، وليس للنداء ههنا موضع) .
(يُتْبَعُ)