-فيه أهمية العين التي تتجسس أخبار العدو، ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حنكة عسكرية عالية وغاية في الأخذ بالحيطة وأسباب النجاح في العمل، فأرسل سريتين لاحتمال فشل إحداهما، والوقت لا يتسع وربما فات العدو، وكذلك يبدو أنه أرسلهما في اتجاهين مختلفين، وحدث ما توقعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبينما نجحت سرية بسيسة رضي الله عنه في الحصول على المعلومة وإيصالها في الوقت الأخير بحيث لا مجال لمن كان ظهره في أعلى المدينة للخروج، إلا أن سرية طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد رضي الله عنهما أخفت في إيصال المعلومة في الوقت المناسب لسبب ما أخرهم غير معلوم، ولكن نلاحظ أن السرية التي أخفقت كانت من أثنين من المهاجرين، وهذا ربما يفسر تأخيرهما إن صحّ خبر السرية، فأهل مكة أعلم بشعابها وكذلك أهل المدينة فإن عملية الاستطلاع كانت تتم في أماكن قريبة منها.
-فيه أن الحديث نصّ في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخبر الصحابة عند تجهزهم للنفير بمقصده في طلب العير فقال - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ لَنَا طَلِبَةً، فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا فَلْيَرْكَبْ مَعَنَا"، ولم يحدد ماهية الطلب، فيبدو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم بعدما اكتمل استعداده ونظّم صفوفه وردّ من لا يطيق القتال في عسكره خارج المدينة، قال الإمام النووي رحمه الله [1] : (فِي هَذَا اِسْتِحْبَاب التَّوْرِيَة فِي الْحَرْب، وَأَلَّا يُبَيِّن الْإِمَام جِهَة إِغَارَته وَإِغَارَة سَرَايَاهُ، لِئَلَّا يَشِيع ذَلِكَ فَيَحْذَرهُمْ الْعَدُوّ) وأما حكاية كعب بن مالك رضي الله عنه: (إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ) ليست صريحة أنه كان يعلم بالخبر قبل الخروج من المدينة.
(1) - شرح مسلم: 13/ 45.