فصل
ما هو اللواء والفرق بينه وبين الراية
فالأحاديث التي جاءت على ذكر الراية واللواء في الحرب وغيرها كثيرة وتقطع باستحبابها، أولًا: تأسّيًا بالمصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وثانيًا: لأسباب معنوية يأتي ذكرها. قال الحافظ قي الفتح (6/ 158) : (وفي هذه الأحاديث استحباب اتخاذ الألوية في الحروب، وأن اللواء يكون مع الأمير أو من يقيمه لذلك عند الحرب) .
فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقاتل أو يرسل للقتال إلا تحت راية أو لواء، ولذا حرص عليها الصحابة رضوان الله عليهم أشدّ الحرص؛ ففي حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري (1246) : (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب ... ) الحديث.
وجاء في (تاريخ الوزير) لجودت باشا التركي نقلًا عن (تاريخ واصف) : (إن السر في إحداث اللواء هو أنه إذا اجتمع قوم تحت لواء واحد يجعل بينهم الاتحاد، بمعنى أن هذا اللواء يكون علامة على اجتماع كلمتهم، ودلالة على اتحاد قلوبهم، فيكونوا كالجسد الواحد، ويألف بعضهم بعضًا أشدّ من ائتلاف ذوي الأرحام، وإذا كانوا في معركة القتال لا ييأسون من الظفر مادام لواؤهم منشورًا، بل تقوى همتهم ويشتد غرمهم، فإذا سقط لواؤهم أخذوا من جانب العدو وباتوا موضعًا للخوف والرهبة، فيهزم بعضهم ويتبدد البعض الآخر) .
بل إن عقد اللواء كان أوسع من مجرد الحرب بمفهومها الاصطلاحي، وأن دور اللواء والراية ليس في الدنيا فحسب، بل إن ظاهر الأحاديث يدل على أنه يكون أيضًا في الآخرة؛ فأخرج الترمذي (برقم 3148) وقال: حسن صحيح، عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
(أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر) ، وفي الصحيحين عن كل من ابن مسعود وابن عمر وأنس رضي الله عنهم أجمعين: (لكل غادر لواء يوم القيامة) [1] .
(1) - البخاري (3015، 3016) ، ومسلم (1735، 1736، 1737) .